تهاني عبدالله الخيال
هناك أشياء كثيرة يمكن للدول أن تشتريها.. يمكنها أن تبني طرقًا وموانئ ومطارات، وأن تطور تشريعاتها، وأن تقدم حوافز مالية، وأن تنشئ مناطق اقتصادية ومدنًا صناعية، وأن تنفق مليارات الدولارات للتعريف بفرصها الاستثمارية حول العالم.
لكن هناك شيئًا واحدًا لا تستطيع أي دولة أن تشتريه مهما بلغت إمكاناتها.. الثقة.
فالثقة لا تُكتب في نظام، ولا تُعلن في مؤتمر، ولا تُمنح بقرار. إنها تُبنى بهدوء، يومًا بعد يوم، من خلال تجربة يعيشها المستثمر على أرض الواقع، حتى يصل إلى قناعة بأن هذه الدولة ليست مكانًا مناسبًا لاستثمار واحد فحسب، بل مكان يستحق أن يبني فيه مستقبله.
ولهذا، لم تعد الاقتصادات الأكثر نضجًا تنظر إلى الاستثمار الأجنبي باعتباره سباقًا ينتهي عند إعلان مشروع جديد أو توقيع اتفاقية، لأن تلك اللحظة، على أهميتها، لا تمثل سوى البداية. أما القيمة الحقيقية فتبدأ عندما تتحول العلاقة بين المستثمر والدولة إلى شراكة طويلة الأمد، يجد فيها المستثمر ما يدفعه إلى التوسع، وإعادة الاستثمار، وربط جزء أكبر من أعماله بالاقتصاد المحلي.
ومن يتأمل تجارب الاقتصادات الناجحة، يلاحظ أن أعظم قصص الاستثمار لم تبدأ بمشروعات عملاقة، وإنما بمستثمر قرر أن يمنح السوق فرصة أخرى. قرار إعادة الاستثمار يحمل في مضمونه رسالة لا تستطيع أي حملة ترويجية أن تنقلها، لأنه يصدر ممن عاش التجربة واختبرها، لا ممن قرأ عنها أو استمع إلى عرضٍ تعريفي عنها. ولذلك، فإن المستثمر الذي يعود ليستثمر مرة ثانية لا يضيف رأسمال جديدًا فحسب، بل يضيف شيئًا أكثر قيمة. إنه يضيف الثقة. ورأس المال قد ينتقل من دولة إلى أخرى بحثًا عن فرصة أفضل، أما الثقة فلا تنتقل بهذه السرعة. إنها تحتاج إلى سنوات من الالتزام، ووضوح الأنظمة، وسرعة الإنجاز، والاستماع إلى المستثمر بعد دخوله السوق، بالقدر نفسه الذي كان يُستمع إليه قبل دخوله.
ولهذا السبب، بدأت معايير النجاح في الاستثمار تتغير بهدوء. فلم يعد التركيز منصبًا على عدد الشركات التي دخلت السوق فقط، وإنما على عدد الشركات التي توسعت، وعدد المستثمرين الذين أعادوا ضخ استثماراتهم، وحجم المعرفة التي انتقلت، وسلاسل الإمداد التي نشأت، والشركات المحلية التي نمت مع نمو المستثمر، والوظائف النوعية التي وُلدت نتيجة لهذه العلاقة الممتدة.
فهنا فقط يتحول الاستثمار من رقم يُسجل في التقارير السنوية إلى أثر اقتصادي مستدام. وهذا التحول هو ما يجعل الاستثمار أكثر من مجرد تدفق لرؤوس الأموال. فالمصنع الذي يُنشأ اليوم قد يخلق وظائف مباشرة، لكنه بعد سنوات قد يخلق عشرات الموردين المحليين، وينقل خبرات جديدة، ويطور منتجات وطنية، ويرفع القدرة التنافسية لقطاع كامل. وعندها يصبح نجاح المستثمر جزءًا من نجاح الاقتصاد نفسه، لا قصة منفصلة عنه.
ولعل هذا ما يجعل المرحلة التي تعيشها المملكة اليوم مختلفة عن كثير من المراحل السابقة. فالتنافس لم يعد يقتصر على استقطاب المستثمرين، بل يمتد إلى بناء بيئة أعمال تجعل نجاح المستثمر جزءًا من نجاح الدولة، وتجعل بقاءه وتوسعه نتيجة طبيعية لجودة التجربة التي يعيشها، لا نتيجة لحوافز مؤقتة.
فالمستثمر في نهاية المطاف، لا يبحث عن سوق يدخلها مرة واحدة، وإنما عن مكان يستطيع أن يخطط فيه لعشر سنوات قادمة بثقة، وأن يبني فيه علاقات وشراكات، وأن يشعر بأن نمو أعماله يتقاطع مع نمو الاقتصاد الذي يعمل فيه. ولذلك، فإن الدول التي ستقود المنافسة الاقتصادية خلال العقد القادم لن تكون بالضرورة تلك التي تستقطب أكبر عدد من المستثمرين، وإنما تلك التي تنجح في بناء الثقة معهم، لأن الثقة وحدها هي التي تحوّل الاستثمار من مشروع مؤقت إلى علاقة طويلة الأمد، ومن رأسمال عابر إلى شريك في التنمية.
فالمال يستطيع أن يعبر الحدود في لحظات. أما الثقة.. فتحتاج سنوات حتى تُبنى.
ولهذا، قد لا يكون أعظم إنجاز تحققه أي دولة هو أن يختارها المستثمر لأول مرة.. بل أن يختارها مرةً أخرى.






