حرية
سجل الذهب والبتكوين مكاسب قوية خلال الأسبوع، مدفوعين بتحركات واسعة في سوق السندات الأميركية وتراجع الدولار، إلى جانب دفعة سياسية جديدة للعملات المشفرة من واشنطن، في وقت تتزايد فيه مخاوف المستثمرين من التضخم والديون الأميركية وتآكل قيمة العملة.
وارتفع سعر البتكوين، الذي كان قد تراجع من مستوى قياسي بلغ نحو 95 ألف دولار في كانون الثاني/يناير إلى أقل من 60 ألف دولار نهاية حزيران/يونيو، ليتجاوز مستوى 77 ألف دولار يوم الجمعة.
في المقابل، صعد الذهب إلى نحو 4661 دولاراً، بعد تراجعه من مستوى قياسي تجاوز 5300 دولار في وقت سابق من العام إلى قرابة 4 آلاف دولار في حزيران، في انعكاس واضح لعودة المستثمرين إلى الأصول البديلة.
تحرك الخزانة يهز الأسواق
وجاءت الشرارة الرئيسية يوم الأربعاء، بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية خططاً لزيادة عمليات إعادة شراء السندات الحكومية طويلة الأجل بصورة كبيرة، في محاولة لتهدئة سوق السندات بعد موجة بيع دفعت المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى.
لكن هذه الخطوة أثارت في المقابل تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على خفض كلفة الاقتراض، في وقت لا تزال فيه المخاوف التضخمية قائمة.
ومع تراجع الدولار وانخفاض عوائد السندات، اتجه المستثمرون سريعاً نحو الذهب والبتكوين، باعتبارهما من أبرز الأصول البديلة القادرة على جذب السيولة في أوقات تراجع الثقة بالعملة الأميركية أو ارتفاع المخاوف من التضخم.
ديون بـ40 تريليون دولار تعزز المخاوف
وتزامنت تحركات الأسواق مع تجاوز الدين الوطني الأميركي مستوى 40 تريليون دولار للمرة الأولى، ما عزز المخاوف من تسارع نمو الدين العام.
ويبدو أن المستثمرين بدأوا يتعاملون مع هذه التطورات ضمن ما يعرف بـ«تجارة تآكل قيمة العملة»، وهي استراتيجية تقوم على تقليل الانكشاف على الدولار والسندات، والتوجه نحو أصول يُنظر إليها على أنها أكثر قدرة على الاحتفاظ بالقيمة.
وفي هذا السياق، استفاد الذهب من المخاوف التقليدية المرتبطة بالتضخم وتراجع القوة الشرائية، بينما استفاد البتكوين من مزيج مختلف يجمع بين ضعف الدولار وعودة المضاربات القوية والدعم السياسي المتزايد لقطاع العملات المشفرة.
واشنطن تضيف الوقود إلى صعود البتكوين
وحظيت العملات المشفرة بدفعة إضافية من واشنطن، بعدما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس إلى الإسراع في إقرار «قانون الوضوح»، الهادف إلى وضع إطار تنظيمي أكثر دعماً للقطاع.
كما شهدت المؤسسات التنظيمية تحركات باتجاه بحث تخفيف بعض القيود، وتسهيل وصول شركات ومشروعات العملات المشفرة إلى التمويل، في مؤشر على تغير ملموس في البيئة التنظيمية مقارنة بالسياسات الأكثر تشدداً التي كانت سائدة سابقاً.
وأعطت هذه التطورات المستثمرين إشارة بأن سوق العملات المشفرة قد يدخل مرحلة جديدة من الدعم السياسي والتنظيمي، وهو ما ساهم في زيادة شهية المخاطرة.
«ضغط شراء» يضاعف مكاسب البتكوين
ولم يكن صعود البتكوين نتيجة تدفق أموال جديدة فقط، بل ساهمت آليات السوق نفسها في تسريع الارتفاع.
فبعد أن بقيت العملة المشفرة لأسابيع ضمن نطاق سعري محدود، راهن عدد كبير من المستثمرين على بقائها عند مستويات منخفضة أو تراجعها، لكن اختراقها مستوى 67 ألف دولار قلب هذه الرهانات.
وأجبر ارتفاع الأسعار المستثمرين الذين فتحوا مراكز تراهن على الهبوط على شرائها مجدداً لإغلاق مراكزهم، ما خلق موجة من الشراء القسري عززت الزخم الصعودي.
وبحسب البيانات، تجاوزت تصفيات المراكز المدينة في سوق العملات المشفرة 4 مليارات دولار خلال موجة الارتفاع، لتتحول الرهانات الخاطئة نفسها إلى وقود إضافي لصعود البتكوين.
قراءة في المشهد.. هل يتغير موقع الدولار؟
تكشف مكاسب الذهب والبتكوين أن الأسواق لا تتعامل مع التطورات الحالية بوصفها تحركات سعرية عابرة، بل باعتبارها جزءاً من قلق أوسع يتعلق بمستقبل الدين الأميركي والتضخم وقيمة الدولار.
فالذهب عاد ليؤدي دوره التقليدي كملاذ في أوقات الضبابية، بينما يحاول البتكوين ترسيخ موقعه كأصل بديل يستفيد من ضعف الثقة بالعملات التقليدية، رغم استمرار تقلباته المرتفعة.
غير أن استمرار هذا الصعود سيبقى مرتبطاً بمسار التضخم وأسعار الفائدة، وسياسة الخزانة الأميركية، وحجم الدعم التنظيمي للعملات المشفرة. وبينما يبدو الذهب أكثر ارتباطاً بالتحوط والاستقرار النسبي، فإن البتكوين يبقى أكثر حساسية للمضاربات، ما يجعل مكاسبه السريعة قابلة للتراجع بالسرعة نفسها إذا تغيرت الظروف التي دفعت المستثمرين إلى شرائه.







