حرية
أعادت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو فتح ملف الفصائل المسلحة في العراق إلى واجهة المشهد السياسي والأمني، بعد تأكيده أن إنهاء الصراعات في المنطقة لن يكون ممكناً ما دامت الجماعات المرتبطة بإيران تواصل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من الأراضي العراقية، مشيراً إلى أن هذا الملف أصبح جزءاً من المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
التصريحات الأميركية تعكس تحولاً لافتاً في مقاربة واشنطن تجاه العراق، إذ لم يعد ملف الفصائل يُطرح بوصفه قضية أمنية عراقية داخلية فحسب، بل بات يُنظر إليه كجزء من ترتيبات إقليمية أوسع تتعلق بمستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، وبمسار التهدئة الذي تحاول الولايات المتحدة تكريسه بعد أشهر من التصعيد العسكري.
من العقوبات إلى التفاوض
إدراج ملف الفصائل العراقية ضمن أجندة التفاوض مع إيران يحمل دلالات سياسية مهمة، أبرزها أن واشنطن باتت ترى أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بمعزل عن طهران، باعتبارها الجهة الأكثر تأثيراً على العديد من الجماعات المسلحة المرتبطة بمحور المقاومة.
وفي المقابل، ترفض إيران هذه المقاربة، وتعتبر أن جذور الأزمة تكمن في الوجود العسكري الأميركي وسياساته الإقليمية، وهو ما يعكس استمرار التباين بين الطرفين بشأن تعريف مصادر التوتر في المنطقة.
بغداد بين الضغوط والتوازنات
الحكومة العراقية تجد نفسها أمام تحدٍ معقد يتمثل في الموازنة بين الضغوط الأميركية المتصاعدة وبين الحفاظ على الاستقرار الداخلي. فبغداد تؤكد أن ملف السلاح يجب أن يُعالج ضمن إطار وطني وبآليات عراقية، بعيداً عن أي إملاءات خارجية قد تثير حساسيات سياسية وأمنية داخلية.
وتتبنى الحكومة الحالية نهجاً تدريجياً يقوم على حصر السلاح بيد الدولة عبر التفاهم والحوار، مستفيدة من متغيرات عدة، أبرزها قرب انتهاء مهمة التحالف الدولي، وهو ما يضعف المبررات التي استندت إليها بعض الفصائل للاحتفاظ بسلاحها خلال السنوات الماضية.
سياسة الضغط الأقصى
المؤشرات القادمة من واشنطن توحي بأن الإدارة الأميركية تعتمد استراتيجية متعددة المسارات تجاه هذا الملف. فالعقوبات المالية وملاحقة شبكات التمويل وإدراج شخصيات وكيانات على لوائح العقوبات تمثل المستوى الأول من الضغوط، يليها ربط التعاون الاقتصادي والاستثماري مع العراق بإجراءات ملموسة لحصر السلاح.
أما الخيار العسكري، فرغم تراجع احتمالات اللجوء إليه في ظل أجواء التفاوض الحالية، فإنه لا يزال حاضراً في الحسابات الأميركية، خصوصاً إذا تعرضت المصالح أو القواعد الأميركية لهجمات جديدة.
الطوق الثاني بعد لبنان وغزة
يرى مراقبون أن التركيز الأميركي على العراق يأتي ضمن مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد الإقليمي. فبعد التوصل إلى تفاهمات أولية بشأن عدة ساحات ساخنة، تتجه الأنظار نحو ما يُعرف بـ”الطوق الثاني” المحيط بإسرائيل، والذي يضم العراق واليمن، باعتبارهما من أبرز ساحات النفوذ الإيراني المتبقية.
ومن هذا المنطلق، فإن ملف الفصائل العراقية لم يعد مجرد قضية محلية، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية تتداخل فيها حسابات الأمن الإسرائيلي والنفوذ الإيراني والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط.
زيارة الزيدي.. اختبار سياسي مهم
تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي المرتقبة إلى واشنطن أهمية استثنائية في هذا التوقيت، إذ من المتوقع أن يكون ملف حصر السلاح وتعزيز سيادة الدولة العراقية في صدارة مباحثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومسؤولي الإدارة الأميركية.
وتسعى بغداد إلى إقناع واشنطن بأنها قادرة على معالجة الملف داخلياً عبر التفاهمات السياسية والإجراءات القانونية، فيما تترقب الإدارة الأميركية خطوات عملية تثبت جدية الحكومة في تقليص نفوذ الجماعات المسلحة وإخضاع القرار الأمني بالكامل لمؤسسات الدولة.
مرحلة مفصلية
تكشف تصريحات روبيو أن ملف الفصائل المسلحة دخل مرحلة جديدة تتجاوز حدود الجدل السياسي الداخلي، ليصبح أحد أبرز ملفات التفاوض الإقليمي بين واشنطن وطهران. وبينما تراهن بغداد على الحلول التدريجية والتسويات الداخلية، تبدو الولايات المتحدة أكثر إصراراً على رؤية نتائج ملموسة، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل العلاقة بين العراق وشركائه الدوليين، وكذلك مستقبل السلاح خارج إطار الدولة.






