بقلم:احمد الحمداني
ليس أخطر على الدول من أن تُختزل أدوارها إلى مجرد ساحات صراع لغيرها، ولا أكثر كلفة من أن تتحول الجغرافيا إلى عبء بدل أن تكون مصدر قوة العراق، بكل ثقله التاريخي وموقعه الاستراتيجي وثرواته، يقف اليوم على هذه الحافة بالضبط إما أن يعيد تعريف نفسه كدولة توازن، أو يُعاد تعريفه من قبل الآخرين كساحة تصفية حسابات.
المشكلة في العراق لم تكن يومًا في غياب الإمكانيات، بل في غياب “العقيدة السياسية الواضحة” فمنذ عام 2003، يتأرجح المشهد بين محاور متنافسة، تتغير معها لغة الخطاب، وتتبدل معها الأولويات، فيما يبقى الثابت الوحيد هو هشاشة القرار السيادي وبينما تتصاعد اليوم التوترات الإقليمية، وتنتقل الحروب من حدودها التقليدية إلى استهداف البنية التحتية وشرايين الدول، لم يعد مقبولًا أن يبقى العراق في موقع المتلقي أو المتأثر.
الحل لا يكمن في الانحياز، بل في إعادة التموضع و لا في اختيار محور، بل في اختيار العراق نفسه.
هنا تبرز الحاجة إلى مشروع دبلوماسي متكامل يمكن تسميته بـ “العراق أولًا مبادرة التوازن الإقليمي وإعادة التموضع السيادي”، وهو ليس شعارًا سياسيًا بقدر ما هو محاولة لإعادة بناء وظيفة الدولة العراقية في الإقليم.
جوهر هذا المشروع يقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة ان العراق لا ينبغي أن يكون جزءًا من الصراع، بل جزءًا من منعه وهذا لا يتحقق عبر الحياد السلبي، بل عبر ما يمكن تسميته بـ “الحياد النشط”؛ أي أن يرفض العراق استخدام أراضيه لأي عمل عدائي، وفي الوقت نفسه يتحرك دبلوماسيًا لمنع التصعيد بين الآخرين. هذه ليست مثالية سياسية، بل ضرورة وجودية في منطقة تتجه نحو مزيد من الاشتعال.
لكن الحياد وحده لا يكفي، إذا لم يُسنَد بأمن سيادي حقيقي وهنا تكمن إحدى أعقد العقد لا يمكن لدولة أن تعلن الحياد وهي لا تملك قرارها الأمني الكامل لذلك فإن أي مشروع جاد يجب أن يتضمن مسارًا تدريجيًا لإعادة بناء منظومة الأمن الوطني، ليس فقط عسكريًا، بل استخباريًا وإعلاميًا أيضًا و حصر السلاح بيد الدولة، أو على الأقل إعادة تنظيمه ضمن إطارها، ليس خيارًا سياسيًا، بل شرطًا لبقاء الدولة نفسها.
في المقابل، يمتلك العراق ورقة قوة غالبًا ما أُهملت أو أُسيء استخدامها، الاقتصاد، وتحديدًا الطاقة والموقع الجغرافي فبدل أن يكون النفط مجرد مورد مالي، يمكن تحويله إلى أداة دبلوماسية فاعلة وبدل أن يبقى الموقع الجغرافي ممرًا للأزمات، يمكن أن يصبح ممرًا للمصالح و مشروع مثل ربط ميناء الفاو بممرات تجارية نحو تركيا وأوروبا، أو تطوير شبكات الطاقة الإقليمية، ليس مجرد استثمار اقتصادي، بل إعادة صياغة لدور العراق في المنطقة كعقدة ربط لا كساحة نزاع.
الأهم من ذلك، أن العراق يمتلك ميزة لا تتوفر لكثير من دول المنطقة وهي علاقات مع الجميع، وخصومات مع لا أحد بشكل مطلق هذه الميزة، إذا أُديرت بذكاء، يمكن أن تعيد للعراق دوره الطبيعي كوسيط إقليمي. ليس وسيطًا شكليًا، بل منصة حقيقية للحوار، تستضيف المفاوضات وتدير التفاهمات “بغداد” يمكن أن تعود عاصمة للتسويات بدل أن تكون ساحة للأزمات، لكن ذلك يتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا، وإرادة لا تتغير بتغير الحكومات.
المشروع، بطبيعة الحال، لن يكون سهلًا هناك قوى داخلية استفادت من حالة الفوضى، وأخرى خارجية تفضّل بقاء العراق ضعيفًا أو تابعًا كما أن ضعف المؤسسات والانقسام السياسي يشكلان تحديًا حقيقيًا أمام أي تحول استراتيجي. لكن البديل عن هذا المشروع ليس الاستقرار، بل المزيد من التآكل التدريجي للدولة.
اللحظة الراهنة تحمل مؤشرًا خطيرًا، الحروب لم تعد تقتصر على الجيوش، بل باتت تستهدف البنية التحتية، الاقتصاد، وحتى الإحساس العام بالأمان، في مثل هذا السياق لا يمكن لدولة مثل العراق أن تبقى في موقع “المنطقة الرمادية” إما أن تبني لنفسها موقعًا واضحًا في معادلة التوازن، أو تُفرض عليها مواقع الآخرين.
العراق لا يحتاج إلى أن يكون قويًا ضد أحد، بل قويًا بنفسه لا يحتاج إلى أن يرضي هذا الطرف أو ذاك، بل أن يفرض معادلة تحمي مصالحه فالدول لا تُحترم لأنها تختار الحلفاء الأقوى، بل لأنها تعرف كيف تحمي نفسها من الجميع.
المعادلة اليوم لم تعد معقدة كما تبدوفكلما اقترب العراق من المحاور، خسر توازنه وكلما اقترب من نفسه استعاد سيادته وهذه ليست دعوة للانعزال، بل لإعادة تعريف العلاقة مع العالم.
العراق لا يختار بين أحد .. العراق يختار العراق.







