حرية | إعداد: قسم التحليل السياسي والأمني- قسم الاخبار – مركز حرية الاستشاري الاعلامي
في تطور لافت يحمل أبعادًا تتجاوز الرسائل الدعائية التقليدية، نشرت وكالة فارس الإيرانية، المقربة من الحرس الثوري، قائمة بجسور حيوية في الكويت والسعودية والإمارات والأردن بوصفها أهدافًا محتملة ضمن عمليات “رد انتقامي”، بعد الضربة التي استهدفت جسر B1 الرابط بين طهران وكرج وتزامن ذلك مع تأكيدات إعلامية دولية بأن الضربة على جسر B1 جاءت ضمن مسار تصعيدي أوسع يستهدف البنية التحتية ذات الاستخدام اللوجستي والعسكري، لا المواقع العسكرية التقليدية فقط.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في الأهداف المذكورة، بل في طبيعة التحول الاستراتيجي فحين تنتقل الحرب من استهداف قواعد ومخازن ومنشآت طاقة إلى الحديث الصريح عن الجسور، فإن ذلك يعني أن الصراع يقترب من ضرب العقد اللوجستية ورموز السيادة الاقتصادية وشرايين الحركة المدنية والعسكرية في آن واحد. هذه نقلة نوعية، لأن الجسر في الحسابات الأمنية ليس مجرد منشأة نقل، بل نقطة اختناق استراتيجية تؤثر على الإمداد، الحركة، الاقتصاد، والإحساس العام بالأمان.
الضربة التي طالت جسر B1 نفسه تبدو، وفق الروايات المنشورة، أكثر من استهداف رمزي تقارير عدة أشارت إلى أن الجسر يربط طهران بكرج ويُنظر إليه كمسار حيوي للحركة التجارية واللوجستية، فيما قال مسؤول أميركي لوسائل إعلام إن الهدف كان تعطيل مسارات إعادة الإمداد الإيرانية المرتبطة بمكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة. هذا التفسير، إن صح، يفسر لماذا جاء الرد الإيراني الإعلامي على شكل قائمة جسور مقابلة في الإقليم: أي الرد بالمثل على مفهوم “العقدة اللوجستية” لا على الموقع العسكري المباشر فقط.
القائمة التي نُشرت تضم منشآت شديدة الحساسية وهي جسر الشيخ جابر في الكويت، جسر الملك فهد بين السعودية والبحرين، عدة جسور رئيسية في أبوظبي، إضافة إلى جسر عبدون وجسر داميا وجسر الملك حسين في الأردن. وهذا الاختيار ليس عشوائيًا؛ فبعض هذه الجسور يختصر زمن الحركة بين مراكز اقتصادية رئيسية، وبعضها الآخر يمثل منفذًا رابطًا بين دول أو عقدة عبور ذات قيمة سياسية وسيادية. استهداف أي منها، أو حتى التهديد الجدي به، يرفع فورًا مستوى التأهب الأمني والتأمين الهندسي والاستخباري في تلك الدول، حتى لو لم تقع ضربة فعلية.
أمنياً، ما الذي يعنيه هذا التهديد؟
أولًا، يعني أن إيران أو المنصات الإعلامية المرتبطة بها تريد توسيع معادلة الردع من “من ضرب داخل إيران سيدفع ثمنًا” إلى “من يشارك أو يسهّل أو يصطف سيجد بناه الحيوية تحت الضغط” وهذه رسالة تتجاوز إسرائيل والولايات المتحدة لتطال البيئة الإقليمية المحيطة بهما، خصوصًا الدول التي تستضيف قواعد أو تسهيلات أو بنية تحتية ذات قيمة تشغيلية في أي نزاع واسع. هذا يتسق مع خطاب إيراني سابق حذر دول الجوار من استخدام أراضيها أو أجوائها ضد إيران، ومع مناخ إقليمي شهد بالفعل هجمات صاروخية ومسيرات وإنذارات أمنية في عدة دول خليجية والأردن خلال الأيام الماضية.
ثانيًا، التهديد يكشف أن الحرب دخلت طور البنية التحتية. في هذا الطور، لا يكون الهدف فقط إلحاق خسائر مادية، بل إرباك الدولة، تعطيل سلاسل الإمداد، إثارة الذعر العام، وفرض كلفة اقتصادية ونفسية أكبر من كلفة الضربة المباشرة نفسها. الهجوم على جسر أو التلويح به قد يحقق تأثيرًا استراتيجيًا واسعًا حتى لو لم يؤدِ إلى تدمير كامل، لأن تعطيل الحركة لساعات أو أيام على منشأة حيوية قد يخلق ارتدادات على التجارة والتموين والطوارئ والنقل المدني.
ثالثًا، هذه التهديدات توحي بأن أهداف الرد لم تعد محصورة بالقواعد العسكرية الصلبة التي تحظى عادة بطبقات حماية جوية أعلى، بل قد تمتد إلى أهداف “رخوة نسبيًا” من ناحية الدفاع الجوي المباشر، لكنها شديدة القيمة سياسيًا واقتصاديًا. وهذا منطق معروف في الحروب غير المتكافئة: ضرب ما هو أقل تحصينًا وأكثر تأثيرًا في الحياة اليومية. الجسور الطويلة والممرات الرابطة والمنشآت التي يصعب استبدالها سريعًا تدخل كلها في هذا التصنيف. والاستهداف قد لا يكون بصاروخ بالستي فقط، بل بمسيّرات انتحارية، زوارق مفخخة في بعض البيئات الساحلية، أو حتى عمليات تخريب نوعية إذا توفرت شبكات محلية أو خلايا مساندة. هذا تقدير تحليلي يستند إلى نمط التصعيد الإقليمي الجاري، وليس إلى إعلان عمليات محددة حتى الآن.
لماذا هذه الجسور بالذات؟
لأنها تجمع بين أربعة عناصر دفعة واحدة:
القيمة الرمزية، والوظيفة الاقتصادية، والأهمية اللوجستية، وصعوبة التعويض السريع.
جسر الملك فهد مثلًا ليس مجرد جسر؛ إنه معبر سيادي واقتصادي بين السعودية والبحرين. وأي تهديد له، حتى نظريًا، يمس حركة الأفراد والبضائع والربط الأمني والاقتصادي بين البلدين. أما جسر الشيخ جابر في الكويت فهو منشأة ضخمة تختصر خطوط ربط داخلية حساسة. وفي أبوظبي، فإن تعدد الجسور المذكورة يعكس إدراكًا بأن العاصمة تعتمد على بنى ربط دقيقة بين الجزر واليابسة والمناطق الحيوية. وفي الأردن، فإن ذكر جسر الملك حسين وداميا يضيف بُعدًا سياسيًا، لأن الحديث لا يخص المرور المدني فحسب بل فضاءً حدوديًا شديد الحساسية.
هل نحن أمام تهديد جدي أم حرب نفسية؟
الجواب الأمني المهني: كلاهما معًا.
من جهة، لا يمكن التعامل مع نشر قائمة أهداف محددة على أنه مجرد ضجيج إعلامي، خصوصًا في ظل حرب فعلية شهدت بالفعل انتقالًا إلى استهداف منشآت طاقة وموانئ وقواعد وبنى لوجستية، ومع تسجيل هجمات ومسيرات وإنذارات في الخليج والأردن خلال الأيام الأخيرة.
ومن جهة أخرى، فإن القيمة النفسية لنشر القائمة قد تكون بحد ذاتها جزءًا من العملية: رفع كلفة التأمين على دول المنطقة، إجبارها على نشر المزيد من الدفاعات، إرباك الحركة، تعميم القلق الشعبي، وإيصال رسالة بأنها ليست بعيدة عن بنك الأهداف. أي أن التهديد قد يكون مصممًا لكي يحقق أثرًا حتى قبل إطلاق أي مقذوف. وهذه بالضبط وظيفة الردع القائم على “الإرهاق الأمني” و“توسيع دائرة القلق”. هذا استنتاج تحليلي مدعوم بسياق التصعيد، لا بإعلان رسمي إيراني بقرار ضرب وشيك.
ما السيناريوهات المحتملة؟
السيناريو الأول هو الردع المتبادل دون تنفيذ مباشر: تبقى القائمة في إطار الضغط النفسي والسياسي، بينما ترفع الدول المعنية جاهزيتها حول الجسور والمعابر والمنشآت الساحلية.
السيناريو الثاني هو هجوم محدود أو رمزي على منشأة مرتبطة أو قريبة من أحد هذه الجسور، بهدف إثبات القدرة دون الانزلاق إلى تدمير واسع. هذا النوع من العمليات قد يأخذ شكل مسيّرة صغيرة، أو محاولة تعطيل موضعي، أو تهديد ملاحي/أمني ملاصق.
السيناريو الثالث هو ضربة نوعية مباشرة إذا اتسعت الحرب أكثر، خصوصًا إذا شعرت طهران بأن الضربات على بنيتها التحتية داخل العمق الإيراني تتزايد، أو أن دولًا إقليمية تجاوزت الخط الأحمر من منظورها. هنا تصبح الجسور “أهدافًا عقابية” لإرسال رسالة ردع إقليمي شامل. هذا الاحتمال يظل الأخطر، لكنه ليس بالضرورة الأكثر ترجيحًا على المدى الفوري. وتقدير الترجيح هنا تحليلي، لا يستند إلى إعلان عملياتي مباشر.
ماذا يجب أن تفعل الدول المعنية؟
أمنيًا، الأولوية ليست فقط في الدفاع الجوي التقليدي، بل في الحماية متعددة الطبقات:
رفع المراقبة الرادارية والبصرية حول الجسور، تكثيف دوريات الزوارق والطائرات المسيّرة الدفاعية في البيئات الساحلية، فحص الهياكل السفلية ومناطق الركائز، منع التوقفات غير المصرح بها، توسيع مناطق العزل حول نقاط الدخول والخروج، وتعزيز تكامل الاستخبارات مع إدارة المرور والطوارئ والهندسة المدنية. لأن الجسر قد يُستهدف من الجو، أو من المياه، أو بعبوة، أو عبر عمل تخريبي داخلي، لا عبر صاروخ فقط.
كما أن الحماية الفعلية تتطلب إدارة إعلامية هادئة؛ إذ إن التهويل غير المنضبط قد يحقق للجهة المهددة نصف ما تريده من دون أن تطلق شيئًا. وفي المقابل، فإن التعتيم الكامل قد يضعف ثقة الجمهور. المطلوب هو توازن بين الشفافية والانضباط الأمني. هذا تقييم مهني عام لمقتضيات حماية البنية التحتية في بيئات التهديد المرتفع.
نشر أسماء الجسور لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل رسالة تقول إن الحرب الجارية لم تعد محصورة في تبادل الضربات العسكرية الصرفة، بل تتقدم نحو استهداف الأعصاب الحيوية للدول. وإذا كانت ضربة جسر B1 قد فتحت هذا الباب، فإن أخطر ما في المشهد الحالي هو أن منطق “المقابلة بالمثل” قد يدفع الصراع إلى مرحلة يصبح فيها الجسر والميناء والطريق والمصفاة جزءًا من بنك أهداف علني أو شبه علني.
عندها لن يكون السؤال: من يملك الصاروخ الأقوى؟ بل: من يملك قدرة حماية البنية التحتية الحرجة ومنع انهيار الثقة العامة؟








