الفصائل المجهولة في العراق: من يحكم السلاح ومن يملك قرار الدولة؟
حرية | إعداد: قسم التحليل السياسي والأمني- قسم الاخبار
في العراق، لا تبدأ مشكلة “الفصائل المجهولة” من لحظة ظهور اسم جديد أو بيان غامض أو هجوم بلا تبنٍّ واضح، بل من بنية أعمق بكثير، بنية دولة ضعفت فيها الحدود بين الرسمي وغير الرسمي، وبين المؤسسي والشبكي، وبين القرار الحكومي والقرار الموازي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط من هي هذه الفصائل؟ بل: كيف وُلد هذا النوع من الفاعلين أصلًا؟ ولماذا يتكاثر؟ ولماذا ينشق؟ ولماذا يصعب أحيانًا تحديد من يملك القرار الأمني الفعلي على الأرض؟ هذا السؤال ليس عراقيًا صرفًا فقد عرفته دول عربية وغير عربية من قبل، وعرفته أوروبا أيضًا في مراحل مختلفة، لكن الفارق أن بعض الدول استطاعت تفكيك هذه البنية تدريجيًا، بينما بقيت دول أخرى أسيرة “تعدد مراكز القوة” لسنوات طويلة وفي العراق، يبدو هذا الملف اليوم من أخطر ملفات الدولة، لأنه لا يتعلق بالأمن فقط، بل بالاقتصاد والسيادة والاستثمار والعلاقات الخارجية وهيبة القانون في آن واحد.
لفهم ظاهرة الفصائل المجهولة في العراق، يجب العودة أولًا إلى الجذر البنيوي الذي أنتجها بعد 2003، لم يقتصر التحول على سقوط نظام سياسي، بل طال بنية الدولة الأمنية نفسها و تشير دراسات تشاتام هاوس إلى أن قرار حل معظم البنية الأمنية بعد الغزو الأميركي ترك آلاف المقاتلين والعسكريين المدربين خارج الدولة، وأن كثيرين منهم وجدوا طريقهم لاحقًا إلى جماعات مسلحة وتمردات متعددة، من بينها تنظيمات مرتبطة بالقاعدة ثم ما تطور لاحقًا إلى تنظيم الدولة كما أن انهيار الجيش العراقي أمام عدد محدود نسبيًا من مقاتلي تنظيم داعش في 2014 كشف هشاشة مؤسسات الدولة، ورسخ فكرة أن السلاح الموازي يستطيع أن يملأ فراغ الدولة حين تعجز.
من هنا بدأت تتبلور البيئة التي تسمح بنشوء “الفصيل المجهول” والمقصود هنا ليس بالضرورة جماعة غير موجودة تمامًا، بل في كثير من الأحيان كيان يحمل اسمًا جديدًا، أو واجهة عملياتية مؤقتة، أو مظلة إعلامية فضفاضة، أو مجموعة منشقة عن تنظيم أكبر، أو شبكة محلية تتحرك بغطاء سياسي أو مناطقي أو خارجي من دون أن تعلن صلتها التنظيمية الكاملة و هذا النوع من التكوينات ينمو عادة في الدول التي تتراجع فيها مركزية الدولة، وتصبح الشرعية موزعة بين الحكومة والأحزاب والفاعلين المسلحين والسلطات المحلية وشبكات الاقتصاد السياسي وقد وصفت تشاتام هاوس العراق الحديث بأنه نظام تحوّل إلى “رقعة مركبة” من مؤسسات عامة وخاصة، مع ضبابية بين الرسمي وغير الرسمي، وهو توصيف يفسر كيف يمكن لجهات مسلحة أن تعمل داخل الدولة وحولها وفي بعض الأحيان باسمها أو بمحاذاتها.
أسباب نشأة هذه الفصائل في العراق ليست سببًا واحدًا، بل حزمة أسباب متراكبة والسبب الأول هو ضعف احتكار الدولة للقوة، عندما تفقد الدولة السيطرة الكاملة على السلاح، أو تصبح عاجزة عن فرض القانون بصورة متساوية، يفتح ذلك الباب أمام الفاعلين المسلحين كي يقدموا أنفسهم كبديل أمني أو كحامٍ اجتماعي أو كأداة نفوذ سياسي وهذا ما حدث في دول عديدة ففي لبنان مثلًا، تذكر “بريتانيكا” أن الحرب الأهلية تميزت بتدهور الدولة وتكوّن الميليشيات التي وفرت الأمن حيث عجزت الدولة، وأن أجهزة الدولة فقدت احتكار القوة وعجزت عن وقف تصاعد العنف.
هذه ليست نسخة مطابقة للعراق، لكنها تشبهه من زاوية مركزية: عندما يضعف المركز، تنمو الأطراف المسلحة.
السبب الثاني هو الفراغ الأمني الناتج عن الصدمات الكبرى في العراق، كان الاحتلال الأميركي، ثم الحرب الطائفية، ثم صعود داعش، ثلاث موجات متعاقبة ضربت احتكار الدولة للسلاح وعندما اجتاح داعش مساحات واسعة في 2014، ظهر من جديد المنطق الذي يقول إن المجتمع أو الطائفة أو المنطقة أو المرجعية أو الحزب يحتاج إلى تشكيله المسلح الخاص وفي هذا السياق، اكتسبت قوى مسلحة شرعية قتالية وشعبية نتيجة دورها في الحرب على داعش، لكن التحدي بدأ بعد الحرب، هل تعود هذه التشكيلات إلى منطق الدولة أم تستبقي استقلالها ومصادر نفوذها؟ هذا السؤال ما يزال مفتوحًا منذ 2017 وما بعدها، وقد حذرت “مجموعة الأزمات الدولية” من أن مستقبل الجماعات شبه العسكرية في العراق سيحدد مستقبل الدولة نفسها، لأن هذه الوحدات بقيت مسلحة ومنظمة بعد انتهاء المعركة الرئيسية ضد داعش.
السبب الثالث هو الاقتصاد الموازي. الفصائل لا تعيش على السلاح فقط، بل على التمويل والموارد وشبكات التهريب والعقود والجبايات والنفوذ الإداري، في البيئات الهشة، يتحول السلاح إلى وسيلة إنتاج سياسي ومالي معًا ولهذا فإن بعض الفصائل لا تنشأ فقط بدافع “المقاومة” أو “الحماية”، بل بدافع السيطرة على مورد أو معبر أو عقد أو جغرافيا وتجارب المنطقة تظهر أن الاقتصاد الحربي يخلق حوافز دائمة لبقاء الجماعات المسلحة حتى بعد تراجع المبرر العسكري المباشر وقد أشار تشاتام هاوس في دراسات حول اقتصادات الصراع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أن ضعف الدولة والاقتصاد الحربي يتيحان لزعماء الميليشيات والمسؤولين الأمنيين ووسطاء الأعمال والبيروقراطيين بناء شبكات ربح مستدامة من الفوضى.
السبب الرابع هو الرعاية الخارجية. لا يمكن فهم الفصائل المسلحة في العراق بمعزل عن البيئة الإقليمية فكلما تحولت البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، أصبح السلاح المحلي قابلًا للاستثمار الخارجي الجماعات التي تملك روافد دعم سياسي أو مالي أو لوجستي أو أيديولوجي من خارج الحدود تكون أكثر قدرة على الاستمرار والانشقاق وإعادة التسمية وعندما تحتدم المواجهات الإقليمية، يظهر نمط “الواجهة المجهولة” بصورة أوضح، اسم جديد، خطاب تعبوي، إنكار رسمي، وإشارات يفهمها اللاعبون المعنيون من دون تحمل كلفة إعلان الارتباط المباشر ومع التوترات الأخيرة، أشارت “مجموعة الأزمات الدولية” في متابعتها للعراق إلى دعوات أميركية للحكومة العراقية كي توقف هجمات تشنها فصائل ومليشيات ومجموعات مسلحة انطلاقًا من الأراضي العراقية، ما يؤكد أن ملف الفاعلين المسلحين ما يزال حاضرًا في تعريف أزمة السيادة العراقية اليوم.
أما الانشقاقات، فهي غالبًا نتيجة طبيعية لاختلاط السلاح بالسياسة والمال والشرعية، الفصيل ينشق عندما يختلف على من يملك القرار، القائد العسكري أم المرجعية السياسية أم الراعي الخارجي أم شبكة التمويل المحلية؟ وينشق كذلك عندما تتضارب المصالح بين “الهوية الأيديولوجية” و”المنفعة الاقتصادية”، أو بين “المشروع الكبير” و”المكاسب المحلية”، أو بين جيل المؤسسين وجيل القادة الميدانيين الجدد. وفي العراق، مثلما في دول أخرى، لا تأخذ الانشقاقات دائمًا شكل إعلان رسمي كامل؛ أحيانًا تتحول إلى أجنحة، أو غرف منفصلة، أو أسماء عملياتية، أو تمردات صامتة داخل نفس البنية.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: من يملك القرار فعليًا في بيئة كهذه؟ الجواب المهني الدقيق هو أن القرار لا يكون بيد طرف واحد دائمًا، بل يتوزع بين دوائر متداخلة. هناك القرار الرسمي للحكومة، لكنه لا يكون دائمًا هو القرار التنفيذي الوحيد على الأرض. وهناك قرار الفاعل المسلح الذي يسيطر على مساحة أو معبر أو ملف محلي. وهناك القرار الحزبي الذي يوجه السلوك الأمني بما يخدم التوازنات السياسية. وهناك التأثير الخارجي الذي قد يدفع نحو التهدئة أو التصعيد. لذلك يصبح المشهد أقرب إلى “سيادة موزعة” أو “قرار مجزأ” بدل سيادة مركزية صلبة. وهذا ليس وصفًا إنشائيًا؛ بل يتسق مع توصيفات بحثية ترى أن العراق بعد 2003 تشكل فيه نمط من التنافس بين السلطات الرسمية والسلطات الفعلية، وأن العديد من الفاعلين يتعاملون مع مؤسسات الدولة نفسها بوصفها مصدرًا للشرعية والموارد معًا.
ومن المهم هنا تفكيك عبارة “الفصائل المجهولة” نفسها. في الغالب، هناك أربعة أنماط خلف هذا الوصف. النمط الأول هو الجماعات الواجهة: وهي أسماء تُستخدم لتوفير الإنكار وإرباك الخصم وتخفيف الكلفة السياسية. النمط الثاني هو الجماعات المنشقة: وهي شبكات خرجت من تنظيمات أكبر بسبب صراعات داخلية أو خلاف على التمويل أو الارتباطات. النمط الثالث هو الجماعات المحلية المؤقتة: تتشكل لحماية منطقة أو مورد أو ممر أو شخصية، ثم تذوب أو تعيد التموضع. النمط الرابع هو التسمية الإعلامية الفضفاضة: حين يكون الفاعل معروفًا جزئيًا لكن الأدلة العلنية غير كافية أو لا يراد إعلانها. الخطر في كل هذه الأنماط أن “الغموض” يصبح جزءًا من القوة نفسها، لا مجرد نقص في المعلومات.
هل توجد دول شبيهة بالعراق؟ نعم، وإن بدرجات مختلفة. لبنان هو المثال الأقرب عربيًا من حيث تداخل السلاح بالحزبية والطائفية والرعاية الخارجية، ومن حيث فقدان الدولة احتكار القوة في مراحل طويلة. ليبيا أيضًا مثال مهم؛ فبعد 2011 وصفت دراسات كارنيغي وتشاتام هاوس واقعها بأن الحكومات الضعيفة اضطرت إلى دعم جماعات مسلحة أو التعايش معها، وأن ضعف السلطات المدنية سمح للقوى المسلحة بالهيمنة على “حيز الدولة” نفسه. في اليمن، كذلك، أنتج ضعف مؤسسات الدولة والقبلية والحرب شبكة فاعلين محليين مسلحين يعملون أحيانًا كبديل للدولة أو كشركاء قسريين لها. وفي كولومبيا، رغم اختلاف السياق الأيديولوجي والتاريخي، فإن ما بعد اتفاق 2016 أظهر أن تفكيك جماعة مسلحة كبيرة لا ينهي بالضرورة الظاهرة؛ إذ حذرت “مجموعة الأزمات الدولية” من أن السنوات التي أعقبت الاتفاق شهدت سعي جماعات مسلحة وإجرامية للاستفادة من الفراغ الذي خلفه تراجع “فارك”، فيما تضخمت أعداد المقاتلين في البلاد في نهاية 2025 إلى نحو 27 ألفًا، بزيادة تقارب خمسة آلاف خلال عام واحد. هذا يثبت أن الفراغ بعد التفكيك قد يعيد إنتاج التمرد بأسماء جديدة إذا لم ترافقه دولة حاضرة وخدمات وعدالة وفرص اقتصادية.
أما السؤال: هل أوروبا كانت هكذا يومًا ما؟ فالجواب نعم، ولكن مع فارق السياق. أوروبا الحديثة عرفت نماذج متعددة لهيمنة العنف الموازي أو الحزبي أو الطائفي أو القومي على المجال العام. في إيطاليا، عرفت فترة “سنوات الرصاص” موجة طويلة من العنف السياسي نفذتها تنظيمات من اليمين المتطرف واليسار المتطرف، وكانت التحقيقات الرسمية نفسها غارقة أحيانًا في التضليل والمعلومات الملتبسة، بحسب “بريتانيكا”. وفي أيرلندا الشمالية، استمر نزاع “الاضطرابات” من أواخر الستينيات حتى 1998 بين قوميين وجمهوريين واتحاديين وموالين، وبرزت فيه منظمات شبه عسكرية مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي و”قوة أولستر المتطوعة”، مع اقتصاد ظل وعقوبات مجتمعية وعنف منظم. أما في البوسنة خلال تسعينيات القرن الماضي، فتشير “بريتانيكا” إلى أن تفكك يوغوسلافيا رافقه عمل قوات شبه عسكرية صربية ومحلية، وأن الصراع اتخذ طابعًا إثنيًا دمويًا بلغ حد الحصار والتطهير العرقي. هذا يعني أن أوروبا ليست غريبة عن زمن الميليشيات والانقسام وازدواجية السلاح؛ لكنها استطاعت، في بعض الحالات، أن تنتقل من منطق السلاح إلى منطق التسوية والمؤسسات.
وهنا تبرز الفائدة من المقارنة: ليست كل الدول التي دخلت مرحلة “الفصائل” بقيت فيها إلى الأبد. أيرلندا الشمالية مثلًا لم تنهِ المشكلة بالشعارات، بل بتسوية سياسية طويلة ومعقدة بلغت ذروتها في اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، الذي ربط الحكومة التشاركية بنزع سلاح الجيش الجمهوري الإيرلندي وخطوات تطبيع العلاقة بين المكونات، ثم استكمل لاحقًا بنقل صلاحيات الشرطة والعدالة إلى المؤسسات المحلية في 2010. المسار لم يكن سريعًا ولا مثاليًا، لكنه يبين أن الحل الحقيقي لا يكون أمنيًا صرفًا، بل تسوية سياسية دستورية تربط التمثيل بالمسؤولية ونزع السلاح بالضمانات.
في المقابل، لبنان يقدم درسًا آخر: إنهاء الحرب لا يعني إنهاء السلاح الموازي تلقائيًا. فحتى بعد اتفاق الطائف وإنهاء الحرب الأهلية، بقيت إشكالية احتكار الدولة للقوة ناقصة، وبقي التوازن اللبناني محكومًا بقدرة بعض القوى على الجمع بين الشرعية السياسية والقدرة العسكرية. لذا فإن النموذج اللبناني لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه مثالًا على الفشل، بل بوصفه تحذيرًا من أن التسوية الجزئية التي توقف الحرب من دون معالجة جوهر احتكار القوة قد تجمد الأزمة بدل أن تحلها.
فما الحلول في العراق؟ أول خطأ هو الاعتقاد أن الحل يبدأ بالمواجهة الشاملة والفورية. التجارب المقارنة تقول العكس: الدول التي استعادت قرارها لم تفعل ذلك عادة بضربة واحدة، بل بمسار طويل يربط بين السياسة والأمن والاقتصاد والشرعية. الحل الأول في العراق هو إعادة تعريف الدولة نفسها كمصدر وحيد للقرار الأمني، لا بوصفه شعارًا بل عبر إجراءات قابلة للتنفيذ. هذا يعني توحيد سلاسل القيادة، وتجريم أي قرار عملياتي خارج الأطر الدستورية، وربط الرواتب والتجهيز والشرعية القانونية بالامتثال الفعلي لا الشكلي. من دون ذلك، ستبقى بعض التشكيلات “داخل الدولة” على الورق و”خارجها” في الفعل.
الحل الثاني هو تجفيف اقتصاد الفصائل. لا يمكن نزع سلاح جماعة تعيش على منافذ وتهريب وعقود وحمايات ونفوذ إداري من دون ضرب نموذجها الاقتصادي. لذلك فالمعركة ليست فقط على السلاح، بل على الميناء والمعبر والمقاولة والجباية والسوق السوداء. عندما تصبح الفوضى مربحة، يصبح السلام تهديدًا لمصالح قوى نافذة. وهذه قاعدة رأيناها في ليبيا وسوريا واليمن وغيرهم، حيث تغذي اقتصاديات الحرب بقاء الجماعات المسلحة.
الحل الثالث هو إصلاح القطاع الأمني على أساس وطني لا محاصصي. العراق دفع ثمنًا باهظًا عندما أعيد بناء مؤسساته الأمنية على أسس منقوصة أو مسيسة أو فئوية. المطلوب ليس مجرد زيادة عديد القوات، بل بناء عقيدة مهنية، وسلسلة أوامر واضحة، ونظام ترقية ومحاسبة لا يخضع للتوازنات الحزبية. دروس 2014 ما تزال قائمة: جيش بلا تماسك مؤسسي يمكن أن ينهار أمام خصم أقل عددًا لكنه أكثر تنظيمًا وحافزية.
الحل الرابع هو تسوية سياسية داخلية تعيد توزيع الثقة، لا المحاصصة فقط. الفصائل المسلحة تزدهر حين تشعر مكونات أو مناطق أو قوى بأن الدولة ليست ضامنًا عادلًا لها. لذلك فإن استعادة الدولة لا تكون فقط بنزع السلاح، بل بإعادة بناء العقد السياسي: تمثيل حقيقي، عدالة في الموارد، لا مركزية منضبطة، وقضاء يستطيع أن يعمل على الجميع. أيرلندا الشمالية خرجت جزئيًا من دوامة العنف حين ربطت التسوية بين تقاسم السلطة ونزع السلاح والاعتراف المتبادل؛ والعراق يحتاج إلى صيغة خاصة به تضمن أن لا يشعر أي طرف أن بقاءه مشروط ببندقيته الخاصة.
الحل الخامس هو عزل القرار العراقي عن الاستخدام الإقليمي قدر الإمكان. فكلما بقيت الساحة العراقية مفتوحة لتبادل الرسائل بين قوى خارجية، ستبقى الحاجة إلى “الفصيل الواجهة” و”الاسم المجهول” قائمة. استعادة القرار هنا ليست أمنية فقط، بل دبلوماسية أيضًا: قواعد اشتباك عراقية، موقف سيادي معلن، وضبط لاستخدام الأراضي العراقية من أي طرف.
خلاصة القول إن “الفصائل المجهولة” ليست لغزًا استخباريًا فقط، بل نتيجة سياسية واجتماعية وأمنية واقتصادية لتآكل مركز الدولة. من يملك القرار فعليًا في مثل هذا المشهد؟ الجواب القاسي: لا أحد يملكه كاملًا، وهذه هي المشكلة بالضبط. هناك دولة تملك جزءًا من القرار، وفصائل تملك جزءًا، وأحزاب تملك جزءًا، ورعاة خارجيون يؤثرون في جزء. وكلما طال هذا التشظي، زادت احتمالات ظهور أسماء جديدة وانشقاقات جديدة وولاءات جديدة.
ولذلك فإن السؤال الأهم ليس من هي الفصائل المجهولة فقط، بل متى تستعيد الدولة العراقية حقها الحصري في أن تكون المعلوم الوحيد في معادلة السلاح، لا مجرد طرف بين أطراف؟








