حرية
لا تتوقف أهمية لقاء رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي بوزير التخطيط قتيبة غازي مجيد عند بحث الخطط التنموية والإعمار، بل تمتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بكيفية تحديد أولويات الإنفاق العام، وضمان وصول الموارد إلى المشاريع الأكثر حاجة، ومنع تكرار إخفاقات المشروعات التي استنزفت التخصيصات من دون أن تحقق أهدافها في الوقت المحدد.
وبحسب بيان لمكتب المالكي تلقته (حرية) بحث الجانبان، الأربعاء 28 تشرين الأول 2026، دور وزارة التخطيط في رسم السياسات العامة وصياغة البرامج التنموية، فيما شدد المالكي على ضرورة تحقيق التوازن بين المحافظات وتوجيه الموارد المتاحة نحو المشاريع ذات الأولوية.
واستعرض الوزير مهام الوزارة وأولوياتها في المرحلة المقبلة، مؤكداً أهمية التنسيق بين المؤسسات الحكومية وربط الخطط باحتياجات المواطنين ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
لكن اختبار هذه التوجهات لا يبدأ من صياغة الخطط وحدها، بل من قدرة المؤسسات المعنية على تفسير أسباب تعثر المشاريع السابقة، وتحديد الجهات المسؤولة عن التأخير أو الهدر، وضمان ألا تتحول الأولويات التنموية إلى عناوين معلنة لا تنعكس على الخدمات اليومية.
وتقدم ملفات المشاريع المتلكئة مثالاً واضحاً على هذا التحدي.
ففي 29 أيلول الماضي، استضافت لجنة نيابية الكادر المتقدم في وزارة التخطيط لمناقشة تأخر مشاريع مستشفيات في المحافظات، من بينها مستشفى عين التمر في كربلاء، رغم إدراجها ضمن الموازنة الثلاثية منذ عام 2023.
كما بحثت مصير التخصيصات المالية لمشاريع تأخر تنفيذها لسنوات، والإجراءات المطلوبة لتجاوز المعوقات وتسريع الإنجاز.
ويكشف هذا الملف أن المشكلة لا تتعلق بإدراج المشروع في الجداول الرسمية فحسب، وإنما بمتابعة التمويل والإحالة والتنفيذ والالتزام بالمواعيد المقررة.
وتظهر أهمية الرقابة أيضاً في الملفات المرتبطة بالكلف والإحالات وأوامر التغيير.
ففي شباط 2026، أعلنت وزارة التخطيط عقد اجتماع لمناقشة أعمال لجنة مختصة بالمخالفات المتعلقة بهذه الجوانب، مشيرة إلى وجود 147 ملفاً محالاً إليها من المجلس الوزاري للاقتصاد.
وتبرز هذه الملفات ضرورة التدقيق في أسباب تعديل كلف المشاريع وإجراءات إحالتها، ومدى التزامها بالضوابط، مع ترك تحديد المسؤوليات للجهات التحقيقية والقضائية المختصة.
ومن هنا، فإن الحديث عن توجيه الموارد إلى المشاريع ذات الأولوية يضع وزارة التخطيط أمام مسؤولية تتجاوز إعداد الجداول والخطط، لتشمل تعزيز الشفافية في اختيار المشاريع، ومتابعة نسب الإنجاز، وكشف أسباب التأخير، والتنسيق مع الجهات الرقابية بشأن المخالفات.
فالتوازن بين المحافظات لا يتحقق بمجرد توزيع التخصيصات بصورة متقاربة، بل يتطلب مراعاة حجم الاحتياجات والفجوات الخدمية وقدرة كل مشروع على معالجة مشكلة فعلية لدى المواطنين.
ويكتسب اللقاء كذلك دلالة سياسية في ظل تحرك وزير التخطيط الجديد للتواصل مع قوى وشخصيات سياسية بعد تسنمه المنصب.
فقد التقى الوزير، في 21 تشرين الأول الجاري، رئيس ائتلاف الإعمار والتنمية محمد شياع السوداني، وبحث معه مسار تنفيذ البرنامج الحكومي وخطط الوزارة وإجراءات تسريع إنجاز الموازنة.
وتضع هذه اللقاءات ملف التخطيط في صلب النقاش بشأن تنفيذ البرنامج الحكومي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مسار العمل ما لم تتبعها إجراءات قابلة للقياس ونتائج معلنة
ويفتح لقاء المالكي ووزير التخطيط باباً للنقاش بشأن معايير ترتيب المشاريع وتوزيع الموارد، لكن المعيار الحقيقي لنجاح المرحلة المقبلة سيكون في ما تستطيع الوزارة تقديمه من بيانات واضحة عن المشاريع المتلكئة، والتخصيصات المصروفة، ونسب الإنجاز، وأسباب التعثر، والإجراءات المتخذة للمحاسبة، عندها فقط يمكن قياس ما إذا كانت دعوات التنمية المتوازنة ستترجم إلى مستشفيات مكتملة وخدمات أفضل ومشاريع تصل إلى المواطنين، بدلاً من بقائها في حدود الخطط والتصريحات.






