د.مظهر محمد صالح
لا أدري كيف يفسر علماء النفس قدرة الإنسان على اقتحام المجهول، وهو يدرك أن الطريق محفوف بدرجات متفاوتة من اللايقين، وأن كل خطوة قد تقوده إلى الخسارة أو إلى اكتشاف ذاته. ولعل عالم النفس الكندي ألبرت باندورا، حين صاغ مفهوم “فاعلية الذات”، اقترب من تفسير هذه الظاهرة ،إذ رأى أن ثقة الإنسان بقدرته على مواجهة التحديات هي التي تدفعه إلى اقتحام المجهول وتحمل مشاق التجربة، رغم ما يحيط بها من شكوك ولايقين. فالمغامرة، في جوهرها، ليست تهورًا، بل إيمان بالقدرة على تجاوز العقبات.
لقد كانت أولى مغامراتي هي المراهقة السياسية ، ذلك العمر الذي تتحول فيه الأفكار إلى يقينيات، وتغدو الأيديولوجيا عقيدة لا تقبل النقاش. وفي تلك المرحلة يندفع الشاب للدفاع عن منظومة فكرية قد لا يكون قد اختبرها بعقله بقدر ما تشربها بعاطفته. وكأن ما وصفه الفيلسوف كارل بوبر بـ”سحر الأيديولوجيات المغلقة” يجد طريقه إلى اللاوعي، فتستقر الأفكار فيه باعتبارها حقائق نهائية، قبل أن تكشف الحياة أن الحقيقة أكثر رحابة من أي قالب فكري جامد، وأن النقد فضيلة لا تقل أهمية عن الإيمان بالمبادئ.
أما المغامرة الثانية، فكانت الاندفاع العاطفي في الحب المبكر، وهو لا يقل إخلاصًا عن الانغلاق الأيديولوجي، لكنه أكثر التصاقًا بوجدان الإنسان. فالحب في ريعان الشباب كثيرًا ما يتجاوز حسابات الواقع، ويمنح القلب سلطة تتقدم على العقل. غير أن الحياة، كما يرى أرسطو، لا تستقيم بالفضائل وحدها، بل تحتاج إلى “الحكمة العملية” التي تحقق التوازن بين الرغبة والإمكان. ومن هنا قد يتحول الزواج المبكر، إذا افتقر إلى مقوماته الاقتصادية والاجتماعية، إلى مغامرة تنتهي بانكسار، لا لأن الحب كان زائفًا، بل لأن الإرادة وحدها لا تكفي لصناعة الاستقرار.
ثم جاءت المغامرة الثالثة، وكانت الأعظم أثرًا في مسيرتي ،اقتحام العالم الغربي وأنا أحمل على كتفي مسؤولية زوجة وأطفال، وأسعى في الوقت ذاته إلى تحصيل شهادة عليا. هناك، بين برد المناخ وبرودة الغربة، أدركت أن المغامرة ليست انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل انتقال من عالم مألوف إلى عالم يعيد تشكيل الإنسان من الداخل. وقد اقترب الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد من هذا المعنى حين صاغ مفهوم “القفزة الإيمانية”، الذي يجعل الإنسان يُقدم على القرار المصيري قبل أن يمتلك يقينًا كاملًا بنتائجه، فيتجاوز حدود المعلوم إلى أفق الاختيار والمسؤولية. وهكذا كانت مغامرتي ، لم تكن اندفاعًا أعمى، بل ثقة بأن الطريق لا يُكتشف إلا بالسير فيه.
كانت المغامرتان السابقتان ترافقانني كذاكرة لا تغيب، لكنهما لم تعودا مصدر انكسار، بل تحولتا إلى مصدر قوة. فالتراجع، كما يرى الفيلسوف فريدريك نيتشه، ليس نقيض الإنجاز، وإنما مادة لصناعة الإرادة ، وما لا يكسر الإنسان قد يمنحه قدرة أكبر على الصمود. وهكذا أصبحت التجارب السابقة رأس مالٍ معنويًا، لا عبئًا نفسيًا.
لقد حصلت على شهادتي العليا في اختصاص نادر في حقل الاقتصاد، ولم يكن الإنجاز ثمرة الذكاء وحده، بل حصيلة صبر طويل، واقتحام متكرر لدائرة المجهول، وإيمان بأن النجاح لا يُمنح، وإنما يُنتزع. ولعل الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر كان محقًا حين رأى أن الإنسان هو مجموع اختياراته، وأنه يصنع ذاته بالفعل لا بالتمني.
وأنا أتأمل رحلتي، أجدني أستحضر أجمل ما كُتب عن المغامرة، في كلمات المفكر العراقي حسين العادلي، إذ لخّص فلسفتها بعبارات ملهمة:
- المغامرةُ رئةٌ ثالثة.
• المغامرةُ قرارٌ ،نصفُه بصيرة، ونصفُه جرأة.
• مَن لا يُغامرُ في الحق، يُغامرُ به الباطل.
• على قدرِ العزمِ تكونُ المغامرةُ، ومَن تردَّد تبِع.
• المغامرةُ رحمُ الفرصة، وعديمُ المغامرةِ عقيم.
• بين المغامرةِ والمقامرة تُعرف حكمةُ الساسة.
• الثورةُ مغامرةُ الشعوب، والإصلاحُ مغامرةُ الحكام.
• جوهرُ القيادة: غامر… أو غادر.
واليوم، وقد بلغت من العمر ما يجعل الإنسان أكثر ميلًا إلى التأمل من الاندفاع، أجد أن مغامراتي الثلاث لم تكن انتصارات منفصلة، بل كانت مدرسة واحدة علّمتني أن الإنجاز الحقيقي لا يكمن في غياب التعثر، وإنما في القدرة على تحويل التعثر إلى خبرة، والخبرة إلى حكمة، والحكمة إلى قوة أخلاقية تنير البصيرة وتصقل الشخصية.
لقد أدركت أن المغامرة ليست تهورًا، وإنما فعلٌ أخلاقي حين يقترن بالبصيرة، وأنها ليست مقامرة بالمصير، بل استثمار في الإمكان الإنساني. فالحياة، كما يؤكد فلاسفة الرواقية، لا تمنح الإنسان السيطرة على كل ما يحدث له، لكنها تمنحه دائمًا حرية اختيار موقفه مما يحدث. ومن هذه الحرية يولد المعنى، ومن المعنى تنبع الإرادة، وبالإرادة تتجدد قدرة الإنسان على أن يجعل من سحب الأمس غيثًا يروي الحاضر ويصنع المستقبل.
لقد أيقنت أن المغامرة ليست مخاطرة عمياء، بل إيمان عاقل بالقدرة على تجاوز المجهول. فما كان بالأمس سحبًا ثقيلة في سماء الذاكرة، أصبح اليوم غيثًا يخصب التجربة، ويؤكد أن الإنسان لا ينتصر في الحياة إلا حين يُحسن تحويل عثراته إلى خبرة، وخبراته إلى حكمة، وحكمته إلى نورٍ يهديه في دروب المستقبل.







