منتصر صباح الحسناوي
كان هناك منزل واسع تحيطه أسوار عالية، تبدو من بعيد وكأنها حصن مشيّد من الهيبة.
كل من مرّ بجانبه، ظنه قصراً للملوك أو مقاماً للعارفين، لكن الحقيقة كانت تختبئ خلف الواجهات المصقولة.
في ذلك المنزل كانت تقيم عائلة كبيرة، متعددة الأصوات والوجوه والقصص، إلا أن الكلمة فيه كانت لشخصٍ واحد، لم يكن حريصاً إلا على أن يراه الناس واقفاً بثبات أمام الباب ببدلته المصقولة ونظراته الجامدة، كأنه تمثال من حجر.
كان يهوى تلميع الرصيف ورصف الحصى بأشكال هندسية مبهرة، وتزيين الجدران الخارجية، كل شيء حول الدار كان صامتاً وجميلاً للناظر، أما الداخل فكان موجوعاً.
في باطن المنزل، كانت الأرواح منهكة والجدران متصدعة، والغرف تضيق بأهلها.
الأطفال يكبرون في جوعٍ وخوف، والنساء يتهامسن في الظلال والرجال ينظرون إلى السقف كأنهم يفتشون فيه عن بابٍ للهروب.
من تجرأ منهم على الكلام سُجن، ومن أصرّ على الاعتراض، غاب.
لم يكن يسألهم عن رغباتهم ولا عن حاجاتهم، كان يظن أنّ هيبته تملأ البطون وأنّ نظراته تداوي العلل وأنّ رخام المدخل أهم من حليب الرضيع.
وفي يومٍ لم يكن كباقي الأيام حدث ما لم يكن في حساباته. انشق الجدار وتكاثرت الأصوات، وارتجّ سقف البيت وسقطت زينته والواجهات الواهمة، والتماثيل الممجدة.
لم يكن الأمر سهلاً، فركام السنين كان عميقاً، لكن شيئاً فشيئاً عاد أهل الدار ينظفون الغرف، يرمّمون الجدران من الداخل يفتحون النوافذ التي كانت مختنقة بالغبار دون خوفٍ ودون أمر .
لم تعد الزينة تهمهم كثيراً فصاروا يقيسون جمال الدار بابتسامة أطفاله وبالسلام الذي يسكن الغرف وباليد التي لا تأمر بل تشارك، أصبح المنزل لهم لا عليهم.
وحين مرّ المارّة بجانبه لم يكن لامعاً كما في السابق، لكن ابوابه ونوافذه كانت مفتوحة وأصوات تحررت تخرج منه ولم يعد المنزل يخيف أحداً… صار يرحّب بالجميع.
لكن الحكاية لم تنتهِ عند فتح الابواب ولا عند تنفّس الجدران لأول مرة، فما إن بدأ أهل الدار بإصلاح ما تهدّم حتى تحرّكت عيون الاخرين، لم يكن الجميع فرحين بذلك التغيير بعضهم خاف من عدواه، وبعضهم رأى في الدار فرصة سانحة.
راحوا يطرقون الأبواب لا ليباركوا وانما ليعرضوا مساعدات مشروطة أو نصائح مسمومة أو اتفاقات تُفرّغ المعنى من روحه.
قال بعضهم: “دعونا ندير عنكم المطبخ فنحن أدرى بشؤونه”، وقال آخرون: “أعيرونا مفاتيح الغرف لنُرتّبها على طريقتنا”. وهناك من وقف بعيداً يبتسم ويزرع الشوك على العتبة متى غفلت الأعين.
ثم جاء من هو أدهى حاول أن يوقظ الخلافات القديمة بين أهل الدار وينفخ في الرماد ويحرّض الأخ على أخيه باسم الحريّة ويدفع الأخت لخصومة أبيها باسم الاستقلال.
أرادوا أن يعود البيت بيتاً بلا روح، أن تعلو فيه الأصوات المتنافرة وتضيع فيه الكلمة.
لكنّ أبناء المنزل لم يكونوا كما ظنّ المتربصون، كانوا قد ذاقوا مرارة السكوت وشربوا من كأس الخوف حتى ارتووا مرارة، فعرفوا هذه المرة كيف يصونون ما بُني بالتعب والدموع.
اجتمعوا فقرّروا أن لا يُدار البيت إلا بإرادتهم، وأن تُحصَّن جدرانه بأرواحهم من الداخل قبل الخارج وأن يكون الباب مشرعاً لمن يطرق بصدق لا لمن يُخفي سكيناً خلف ظهره.
راحوا يزيّنون الواجهة لكن ليس بما يُبهر العيون ويُخفي العفن، وانما بما يُشبههم: نخلة في الركن وزهرة بابونج نبتت من بقايا الركام ولوحة رسمها طفلٌ عن حلمه بالغد.
صاروا يختلفون أحياناً، لكنهم يعودون إلى ذات الطاولة يجلسون ويتجادلون ويصغون، لأنهم أدركوا أن لا بيت يدوم إن لم يُبْنَ بالحب والعدالة والاعتراف المتبادل.
واليوم المنزل قائماً ومهاباً، لا هو أطول من غيره ولا هو أكثر بريقاً، لكنه الأكثر صدقاً والأكثر اتساعاً لأهله.
فيه نوافذ لا تُغلق إلا للنوم وأبواب لا تُوصَد إلا على من يُضمر الخراب.
الريح لا تزال تهب والاخرين لا يزال بعضهم يتربّص لكن أهل الدار عرفوا الآن أن البيوت تُصان بالعزيمة وتُؤمَن بالثقة وتُعمّر حين يتقاسم الناس فيها الحلم لا الخوف.







