بقلم: محمد عبد الستار البغدادي
لم تعد الموازنة العامة في العراق مجرد وثيقة مالية تحدد أبواب الإنفاق والإيرادات لسنة واحدة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ملف سياسي واقتصادي معقد يمتد أثره لسنوات طويلة ومع اعتماد الموازنة الثلاثية للأعوام (2023 – 2025)، كان الهدف المعلن تحقيق الاستقرار المالي وضمان استمرار المشاريع وعدم تعطيلها بسبب التأخر في إقرار الموازنات السنوية إلا أن الواقع كشف عن تحديات كبيرة ما زالت تلقي بظلالها على الأداء الحكومي والخدمي إن المشكلة الأولى تكمن في طبيعة الموازنة نفسها إذ تعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية ما يجعل الاقتصاد العراقي رهينة لتقلبات أسعار النفط العالمية فعندما ترتفع الأسعار تبدو الأرقام مطمئنة لكن أي انخفاض مفاجئ يعيد الحديث عن العجز والاقتراض وتقليص الإنفاق أما المشكلة الثانية فتتمثل في تضخم النفقات التشغيلية التي تستحوذ على الحصة الأكبر من التخصيصات المالية مقابل تراجع الإنفاق الاستثماري القادر على خلق فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد فالملايين من الدنانير تُصرف على الرواتب والمخصصات والدعم في حين تبقى العديد من المشاريع الاستراتيجية متعثرة أو بطيئة التنفيذ وتبرز مشكلة أخرى تتعلق بتوزيع التخصيصات بين المحافظات والقطاعات المختلفة إذ تشهد بعض المحافظات شكاوى متكررة من عدم عدالة التوزيع أو تأخر إطلاق الأموال المخصصة لها كما أن بعض المشاريع تُدرج سنوياً ضمن الموازنات دون أن تشهد نسب إنجاز حقيقية ما يحولها إلى مشاريع ورقية تستنزف الأموال دون نتائج ملموسة للمواطن ولا يمكن إغفال قضية المناقلات المالية والتغييرات التي تطرأ على التخصيصات بعد إقرار الموازنة حيث تؤدي أحياناً إلى إرباك الخطط التنموية وتأخير تنفيذ المشاريع كما أن ضعف الرقابة والمتابعة في بعض المؤسسات يسهم في هدر الموارد وعدم تحقيق الأهداف المرسومة ورغم ضخامة أرقام الموازنات العراقية التي تعد من الأكبر في تاريخ البلاد فإن المواطن ما زال يتساءل عن انعكاس هذه الأموال على الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصحة وتعليم وبنى تحتية فالعبرة ليست بحجم التخصيصات بل بكفاءة الإنفاق وقدرة الدولة على تحويل الأرقام إلى مشاريع وفرص عمل وتنمية حقيقية إن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة النظر في فلسفة إعداد الموازنة والانتقال من موازنة تعتمد على الإنفاق الاستهلاكي إلى موازنة إنتاجية تستثمر الموارد وتدعم القطاع الخاص وتوسع مصادر الإيرادات غير النفطية كما أن تعزيز الشفافية والرقابة وتقييم المشاريع بشكل دوري أصبح ضرورة لا خياراً لضمان أن تصل الأموال إلى أهدافها الحقيقية فالموازنة ليست أرقاماً في جداول مالية بل هي مرآة لقدرة الدولة على إدارة مواردها وتحويل الثروة إلى تنمية مستدامة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وكلما طال عمر الموازنة دون إصلاحات حقيقية، بقيت المشكلات نفسها تتكرر بأشكال مختلفة، فيما يبقى المواطن بانتظار نتائج لم تتحقق بعد.






