د. هبة السامرائي
في هذا الزمن الذي أصبحت فيه الكلمات تُستهلك أكثر مما تُفهم، برزت “الإيجابية” بوصفها واحدة من أكثر المصطلحات تداولاً بين الناس. نسمعها في الأحاديث اليومية، ونقرأها في المنشورات، وتُلقى على مسامع المتعبين كما لو أنها علاج فوري لكل ما يعتري الإنسان من خوف أو قلق أو تردد. حتى بدا وكأن الإنسان لم يعد مسموحاً له بأن يشعر بالضعف، أو أن يعترف بحيرته، أو أن يتوقف قليلاً ليفكر قبل أن يتخذ قراراته. صار المجتمع يتعامل مع الإيجابية بوصفها صورة مثالية يجب أن يظهر بها الجميع، لا قيمة داخلية تنبع من فهم الإنسان لنفسه وللحياة.
والمشكلة الحقيقية لم تكن في معنى الإيجابية ذاته، بل في الطريقة التي استُخدم بها هذا المفهوم حتى تحوّل تدريجياً إلى سلاح يُوجَّه ضد كل من يعبّر عن خوفه أو قلقه أو اعتراضه. فإذا قال أحدهم إنه متردد في خطوة مصيرية، قيل له فوراً إنه سلبي. وإذا عبّر شخص عن خوفه من الفشل أو من خيبة ما، وُصِف بأنه يبالغ في التشاؤم. وكأن الإنسان أصبح مطالباً بأن يعيش طوال الوقت داخل حالة من التفاؤل القسري، حتى لو كان عقله يرى ما يستحق الحذر والتفكير.
لكن الإنسان بطبيعته ليس مخلوقاً مصنوعاً من الطمأنينة المطلقة. داخل كل إنسان مساحة واسعة من الأسئلة والشكوك والتقلبات، وهذه ليست عيوباً كما يحاول البعض تصويرها، بل جزء طبيعي من التكوين البشري. فالخوف أحياناً ليس ضعفاً، بل رسالة يرسلها العقل لينبه الإنسان إلى ما يجب أن ينتبه له. والتردد في بعض المواقف ليس نقصاً في الشخصية، بل علامة على أن الإنسان يفكر بعمق ويحاول أن يزن الأمور قبل أن يندفع نحوها.
لقد أصبحت الإيجابية في عصرنا أقرب إلى قناع اجتماعي يرتديه الناس حتى لا يُتهموا بالسلبية. كثيرون يبتسمون وهم مثقلون من الداخل، ويخفون قلقهم لأن المجتمع لم يعد يتسامح مع المشاعر الإنسانية الطبيعية. صار الحزن يُعامل كخلل يجب إصلاحه بسرعة، وأصبح الإنسان يشعر أحياناً بالذنب لأنه متعب أو خائف أو غير قادر على التظاهر بالقوة طوال الوقت. ومع الوقت، بدأت هذه الفكرة تصنع أشخاصاً منفصلين عن حقيقتهم، أشخاصاً يتقنون تمثيل السعادة أكثر مما يتقنون فهم أنفسهم.
والغريب أن البعض بات يخلط بين الإيجابية وبين إنكار الواقع. فيُطلب من الإنسان أن يكون متفائلاً حتى في أكثر الظروف وضوحاً وخطورة، وكأن الاعتراف بالمشكلة يعد ضعفاً في الإيمان بالحياة. بينما الحقيقة أن الإيجابية الحقيقية لا تعني أن يغلق الإنسان عينيه عن الأخطاء أو الأخطار أو الاحتمالات السيئة، بل أن يراها بوضوح ثم يواجهها بعقل هادئ وروح متماسكة. فهناك فرق عظيم بين شخص يتفاءل لأنه فهم الواقع واستعد له، وبين شخص يهرب من الحقيقة تحت غطاء الكلمات المضيئة.
فالإنسان العقلاني لا يعيش أسيراً للتشاؤم، لكنه أيضاً لا يسمح للعاطفة أو الحماس أن يعطلاه عن التفكير. إنه يدرك أن الحياة لا تُدار بالشعارات وحدها، وأن النضج الحقيقي يكمن في القدرة على الموازنة بين العقل والقلب. فليس كل حذر سلبية، وليس كل اندفاع شجاعة. أحياناً يكون أكثر الناس هدوءاً هو أكثرهم وعياً بما يدور حوله، وأكثرهم تردداً هو أكثرهم إدراكاً لثقل القرارات وعواقبها.
لقد شوه المجتمع معنى السلبية أيضاً. فالسلبية ليست أن يحزن الإنسان أو يقلق أو يمر بفترة ضعف، بل أن يستسلم تماماً لفكرة العجز، أو أن يفقد قدرته على رؤية أي احتمال للنجاة أو التغيير. أما المشاعر الإنسانية العابرة فهي جزء من الحياة، بل ربما تكون ضرورية حتى يفهم الإنسان ذاته بشكل أعمق. فالشخص الذي لا يحزن أبداً غالباً لا يشعر بعمق، والشخص الذي لا يخاف أبداً قد لا يدرك حجم المخاطر من حوله.
أما التطرف فهو الوجه الحقيقي للسلبية، سواء جاء في صورة تشاؤم مفرط أو تفاؤل أعمى. فكما أن الإنسان الذي يرى الحياة سوداء بالكامل يعيش داخل سلبية قاتمة، فإن الإنسان الذي يرفض رؤية أي خطأ أو خطر بحجة الإيجابية يعيش نوعاً آخر من الوهم. وكلا الطرفين يبتعد عن التوازن الذي تحتاجه النفس البشرية كي تعيش بسلام.
الحياة بطبيعتها ليست مستقيمة المشاعر، بل مليئة بالتناقضات. فيها لحظات قوة وانكسار، يقين وحيرة، نجاح وخسارة. والإنسان الناضج ليس ذلك الذي يبتسم طوال الوقت، بل الذي يعرف كيف يتعامل مع كل مرحلة بوعي دون أن يفقد نفسه. حين يخاف، يحاول أن يفهم سبب خوفه بدلاً من دفنه تحت الكلمات الجميلة. وحين يفشل، لا ينهار ولا يتظاهر بأن شيئاً لم يحدث، بل يتعلم ويعيد النظر في طريقه. وحين يحزن، يسمح لنفسه بأن تشعر بالحزن دون أن يعتبر ذلك هزيمة.
إن أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس الإيجابية المصطنعة، بل الصدق الداخلي. أن يكون قادراً على رؤية الحياة كما هي، لا كما تفرض عليه الشعارات أن يراها. أن يفكر بعقله في كل صغيرة وكبيرة، وأن يمنح نفسه حق السؤال والتردد والخوف دون أن يشعر بأنه أقل من الآخرين. لأن العقلانية ليست بروداً، بل حكمة. وليست رفضاً للمشاعر، بل قدرة على فهمها وعدم الانجراف وراءها بالكامل.
وفي النهاية، ربما لم تكن المشكلة يوماً في الإيجابية نفسها، بل في تحويلها إلى قانون قاسٍ يُفرض على البشر. فالإنسان ليس شمساً لا تغيب، ولا قلباً لا يتعب. الإنسان روح تتقلب بين الضوء والظل، وكل ما يحتاجه حقاً هو أن يعيش بصدق واتزان، لا أن يتحول إلى نسخة مزيفة تبتسم خوفاً من أن تُتَّهم بالسلبية…







