حرية
تكشف التسريبات الإيرانية الأخيرة عن أن الاتصالات بين ايران والولايات المتحدة لم تتوقف رغم الحرب والتصعيد العسكري، بل دخلت مرحلة أكثر حساسية تتداخل فيها الملفات النووية والأمنية والاقتصادية والملاحية، في محاولة لمنع انزلاق المواجهة إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد تهدد استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الطرفين يقتربان من صيغة تفاهم أولية، لكنهما لا يزالان يصطدمان بعقدتين أساسيتين:
- مستقبل مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب.
- أمن الملاحة في مضيق هرمز.
واشنطن تريد اتفاقًا شاملًا.. وطهران تبحث عن هدنة مرحلية
الموقف الأمريكي، وفق التسريبات، يقوم على محاولة استغلال لحظة الضغط العسكري والاقتصادي للوصول إلى اتفاق واسع يتجاوز وقف الحرب، ليشمل:
- البرنامج النووي
- الصواريخ
- أمن الخليج
- الملاحة
- والنفوذ الإقليمي الإيراني.
في المقابل، تبدو طهران أكثر ميلًا إلى مقاربة مرحلية تقوم على:
- وقف التصعيد أولًا
- تثبيت هدنة سياسية وعسكرية
- ثم تأجيل الملفات الكبرى، خصوصًا الملف النووي، إلى مرحلة لاحقة.
وهذا يعكس إدراكًا إيرانيًا بأن التفاوض تحت الضغط العسكري المباشر قد يؤدي إلى تقديم تنازلات استراتيجية يصعب احتواؤها داخليًا.
اليورانيوم المخصب.. جوهر الصراع الحقيقي
الخلاف المتعلق بمخزون اليورانيوم يكشف أن القضية النووية لا تزال جوهر الأزمة بين الجانبين فالولايات المتحدة، بحسب التسريبات، ترفض:
- بقاء المخزون داخل إيران،
- أو نقله إلى دولة ثالثة تحت إشراف غير أمريكي.
بينما تصر طهران على:
- عدم تسليم المواد مباشرة لواشنطن
- وعدم إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من أراضيها.
وهنا تظهر أهمية توجيهات المرشد الإيراني Mojtaba Khamenei بعدم إرسال اليورانيوم شبه المستخدم في الأسلحة إلى الخارج، لأنها تعني عمليًا أن المؤسسة الإيرانية العليا تضع “خطًا أحمر” أمام أي اتفاق يُفهم منه تفكيك كامل لقدرات الردع النووي الإيرانية.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الأخطر
الملف الثاني الأكثر حساسية هو مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى عنصر تفاوضي أساسي فالولايات المتحدة تريد:
- ضمان حرية الملاحة بشكل كامل،
- منع إيران من فرض رسوم أو قيود،
- وتأمين تدفق النفط العالمي.
بينما ترى طهران أن المضيق يمثل:
- ورقة ضغط استراتيجية
- وأداة ردع اقتصادية
- وضمانة في مواجهة العقوبات والضغوط العسكرية.
ولهذا فإن أي اتفاق حول هرمز لن يكون تقنيًا فقط، بل سيحدد شكل التوازن الأمني في الخليج خلال المرحلة المقبلة.
هل تتجه الأطراف نحو صفقة وقف التصعيد؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الطرفين قد يتجهان إلى صيغة مؤقتة تقوم على:
- وقف الهجمات العسكرية
- ضمان أمن الملاحة
- تخفيف أو رفع جزئي للعقوبات
- الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة
- مقابل التزامات إيرانية محددة دون حسم كامل للملف النووي.
وهذا السيناريو يشبه إلى حد بعيد “إدارة الأزمة” بدل حلها نهائيًا.
الصين وباكستان تدخلان على خط الوساطة
إعلان باكستان عن دعم الصين لمبادرة وساطة من خمسة بنود يعكس اتساع البعد الدولي للأزمة. فبكين تبدو معنية بـ:
- حماية إمدادات الطاقة
- منع إغلاق هرمز
- تجنب انهيار الاستقرار الإقليمي
- والحفاظ على علاقتها مع إيران والخليج في آن واحد.
كما أن الصين تحاول تكريس نفسها وسيطًا دوليًا قادرًا على لعب أدوار سياسية تتجاوز الاقتصاد والتجارة.
أما باكستان، فتخشى أن يؤدي استمرار الحرب إلى:
- اضطراب حدودها الغربية،
- تصاعد التوتر الطائفي،
- وتأثر مشروع الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني.
روبيو ورسائل التهدئة المشروطة
تصريحات وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio بشأن “التقدم النسبي” في المفاوضات تعكس محاولة أمريكية مزدوجة:
- طمأنة الأسواق الدولية،
- والإبقاء على الضغط التفاوضي على طهران.
فالولايات المتحدة تريد إظهار أنها:
- منفتحة على الاتفاق،
- لكنها مستعدة أيضًا للعودة إلى التصعيد إذا فشلت المفاوضات.
اتفاق قريب أم جولة جديدة من التصعيد؟
رغم المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق لا يزال معقدًا بسبب:
- انعدام الثقة المتبادل،
- حساسية الملف النووي،
- الانقسام داخل المؤسسة الإيرانية،
- الضغوط الداخلية على إدارة ترامب،
- والموقف الإسرائيلي الرافض لأي اتفاق لا يضمن تفكيكًا واسعًا للقدرات الإيرانية.
كما أن أي حادث أمني في الخليج أو هرمز قد يعيد الأمور سريعًا إلى مربع التصعيد.
المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن تبدو أقرب إلى محاولة لإنتاج “توازن تهدئة” لا “سلام شامل”.
فالطرفان يدركان أن استمرار الحرب يحمل كلفة مرتفعة:
- اقتصاديًا على العالم،
- سياسيًا على واشنطن،
- وأمنيًا على إيران والمنطقة.
لكن في الوقت نفسه، لا يبدو أن أيًا منهما مستعد لتقديم تنازل استراتيجي كامل، خاصة في ما يتعلق باليورانيوم المخصب وأمن مضيق هرمز.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد اتفاقًا محدودًا يمنع الانفجار الكبير، لكنه لن ينهي جذور الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، بل سيؤجلها إلى جولة جديدة في بيئة إقليمية ما تزال شديدة الاضطراب.







