حرية
يطلّ اليورانيوم، ذلك المعدن الفضي الأبيض الثقيل والقابل للطرق، مجدداً في قلب المشهد الجيوسياسي، لاعباً دوراً محورياً في الصراع الدائر حول إيران، بين رهانات التهدئة واحتمالات التصعيد.
منذ اكتشافه على يد الكيميائي الألماني مارتن هاينريش كلابروث عام 1789، ظل اليورانيوم أحد أكثر العناصر إثارة للقلق العالمي، ليس فقط لارتباطه بالطاقة النووية، بل أيضاً لدوره في صناعة الأسلحة، وما يحمله من مفارقة بين الأمل في التنمية والخوف من الدمار.
طبيعة مزدوجة وصراع مفتوح
يتميز اليورانيوم بطبيعة مزدوجة؛ فهو مادة مشعة وسامة تتطلب ضوابط صارمة في التعدين والتخصيب، وفي الوقت ذاته مصدر رئيس للطاقة النظيفة، ويُستخدم في الطب النووي وتحلية المياه. هذه الازدواجية جعلته محوراً لصراع سياسي وعسكري، يتجاوز حدود التقنية إلى عمق التوازنات الدولية.
وفي السياق الإيراني، يتجاوز الجدل حول اليورانيوم كونه مسألة تقنية، ليصبح محور نزاع بين من يراه سبباً رئيساً للتصعيد، وآخرين يربطونه بأجندات أوسع تشمل النفوذ الإقليمي والصراع مع خصوم مثل حماس وحزب الله والحوثيين.
من “الذرة من أجل السلام” إلى سباق التخصيب
بدأت رحلة إيران النووية بدعم أميركي، وتحديداً عبر مبادرة دوايت أيزنهاور “الذرة من أجل السلام” عام 1953، والتي أسهمت لاحقاً في تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1957، بهدف تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وفي عهد الشاه محمد رضا بهلوي، دخلت إيران فعلياً المجال النووي بدعم أميركي، شمل مفاعلات بحثية ويورانيوم مخصباً وتدريب كوادر علمية، ما أسس لبنية البرنامج النووي الذي تحول لاحقاً إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل عالمياً.
التخصيب… جوهر الأزمة
تكمن حساسية الملف في عملية تخصيب اليورانيوم، إذ إن النظير النادر “يورانيوم-235” هو القابل للانشطار، ويشكل أقل من 1% من اليورانيوم الطبيعي. وبينما يُستخدم التخصيب المنخفض لأغراض مدنية، فإن رفع النسبة يفتح الباب أمام الاستخدام العسكري، ما يجعل الفارق بينهما “خيطاً رفيعاً”.
وقد أثار إعلان منشآت مثل نطنز وفوردو قلقاً دولياً واسعاً، خصوصاً مع وصول نسب التخصيب إلى مستويات مرتفعة، ما أدى إلى أزمات دبلوماسية وعقوبات متكررة، ثم مفاوضات واتفاقات، أبرزها اتفاق 2015 الذي تعثر لاحقاً بعد انسحاب دونالد ترمب وإعادة فرض العقوبات.
شبكات معقدة وتحالفات متغيرة
لم تعتمد إيران على مصدر واحد لليورانيوم، بل تنوعت مصادرها بين الولايات المتحدة سابقاً وأوروبا، بما في ذلك مشروع “يوروديف” الفرنسي، وصولاً إلى شبكات غير مشروعة مثل شبكة العالم الباكستاني عبد القدير خان، التي ساهمت في نقل المعرفة والتقنيات.
وفي المقابل، لعبت روسيا دوراً محورياً في دعم البرنامج النووي الإيراني تقنياً، بينما تطرح اليوم نفسها وسيطاً، مقترحة نقل اليورانيوم المخصب إلى أراضيها لإعادة معالجته.
غموض مستمر وتصعيد محتمل
رغم العقود من المفاوضات والاتفاقات، لا يزال الملف النووي الإيراني يدور في حلقة معقدة من التصعيد والتهدئة، بين تأكيد طهران على سلمية برنامجها، واتهامات غربية بنوايا عسكرية.
وفي ظل الحرب الحالية والتوترات الإقليمية، يعود اليورانيوم إلى الواجهة كعنصر حاسم، لا يحدد فقط مستقبل إيران، بل يعيد رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط، وسط غموض مستمر واحتمالات مفتوحة على كافة السيناريوهات.







