حرية
لم يعد الخوف شعوراً عابراً لدى شريحة من يهود المملكة المتحدة، بل تحول إلى نمط حياة يومي يتسلل إلى الشارع، والعمل، والجامعة، وحتى إلى الأحاديث الخاصة. ما كان يُعدّ قبل سنوات قليلة هامشياً، بات اليوم ظاهرة تتوسع بصمت، وتطرح سؤالاً مقلقاً: هل تفقد بريطانيا قدرتها على حماية أحد أقدم مكوناتها المجتمعية؟
قصة “أماندا” ليست استثناءً، بل نموذج يتكرر. امرأة كانت فاعلة في مجتمعها، مندمجة في محيطها، تحوّلت فجأة إلى هدف للشتائم والتهديدات، فقط لأنها يهودية. أن تخفي نجمة داوود التي كانت ترتديها بفخر ليس مجرد تفصيل شخصي، بل مؤشر على تحوّل أعمق في المزاج العام.
الأخطر من الحوادث الفردية، هو التحول النفسي الجماعي داخل المجتمع اليهودي. حين تصبح النقاشات بين الأصدقاء متمحورة حول “خطة الخروج”، فإن الأمر يتجاوز الشعور بعدم الأمان إلى فقدان الثقة بالمستقبل. الحديث عن الهجرة لم يعد خياراً بعيداً، بل احتمالاً واقعياً يُناقش بجدية.
الأرقام تعكس هذا التحول. ارتفاع البلاغات عن حوادث معاداة السامية إلى مستويات قياسية، وتضاعف أعداد المهاجرين إلى إسرائيل مقارنة بالسنوات الماضية، ليسا مجرد مؤشرات إحصائية، بل إنذار مبكر على أزمة اجتماعية آخذة في التفاقم.
لكن هذه الأزمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الأوسع. الحرب في الشرق الأوسط، والانقسام الحاد حولها، ألقيا بظلالهما الثقيلة على المجتمعات الغربية. التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، رغم مشروعيتها في إطار حرية التعبير، تحولت في بعض الحالات إلى مساحة رمادية تختلط فيها السياسة بالهوية، والنقد المشروع بخطاب الكراهية.
هنا يكمن جوهر المشكلة: متى يتحول الغضب السياسي إلى استهداف جماعي؟ ومتى يصبح الفرد مسؤولاً عن سياسات دولة لم يخترها؟
في الجامعات وأماكن العمل، تتعمق هذه الإشكالية. عندما يشعر طلاب يهود بأنهم معزولون أو مرفوضون، أو حين تخشى موظفة في القطاع الصحي من بيئة عملها، فإننا أمام خلل يتجاوز حدود الحوادث الفردية ليصل إلى بنية اجتماعية مقلقة.
الحوادث المتطرفة، مثل عمليات الاختطاف أو الاعتداء، تبقى محدودة، لكنها تحمل دلالة أخطر: الكراهية حين تُترك دون مواجهة، يمكن أن تتطور من خطاب إلى فعل.
الحكومة البريطانية تبدو مدركة لحجم المشكلة، من خلال مراجعات القوانين ومناقشة التوازن بين حرية التعبير ومكافحة الكراهية. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية، بل في تطبيقها، وفي القدرة على ضبط الخطاب العام قبل أن ينفلت.
بريطانيا لطالما افتخرت بتنوعها وقدرتها على احتواء الاختلاف. هذا النموذج اليوم أمام اختبار حقيقي. فالتسامح لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرة المجتمع على حماية أفراده، خاصة في أوقات الأزمات.
السؤال لم يعد فقط عن أمن الجالية اليهودية، بل عن مستقبل التعايش ذاته. لأن أي مجتمع يبدأ بخسارة شعور الأمان لدى إحدى مكوناته، يفتح الباب تدريجياً لتآكل الثقة لدى الجميع.
في النهاية، المسألة لا تتعلق بيهود بريطانيا وحدهم، بل بصورة الدولة التي تريد أن تكونها: دولة تحمي التنوع… أم تتركه يتآكل تحت ضغط الأزمات؟







