حرية
أحيا لبنان، اليوم الثلاثاء، الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، الذي يُعد أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، وسط تجدد آمال أهالي الضحايا بإحراز تقدم في مسار العدالة، بعد سنوات من التعطيل السياسي والقضائي الذي حال دون محاسبة المسؤولين عن الكارثة.
وأودى انفجار الرابع من آب/أغسطس 2020 بحياة أكثر من 200 شخص، وأصاب الآلاف، كما دمّر أحياء واسعة من العاصمة بيروت، إثر انفجار مئات الأطنان من مادة نترات الأمونيوم التي كانت مخزنة داخل المرفأ لسنوات من دون إجراءات سلامة كافية.
ورغم مرور ست سنوات على الكارثة، ما تزال القضية تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان، بعدما واجه التحقيق عراقيل متكررة نتيجة الطعون القضائية والضغوط السياسية، الأمر الذي أدى إلى تعليق التحقيقات لفترات طويلة وأثار غضب عائلات الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان.
انفراجة بعد سنوات من التعطيل
بدأت ملامح انفراج في القضية مع تولي الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام مهامهما مطلع عام 2025، إذ تعهدا بإزالة العقبات أمام التحقيق وضمان استقلالية القضاء.
وفي هذا السياق، استأنف المحقق العدلي القاضي طارق البيطار عمله، ورفع في أواخر مارس/آذار الماضي تقريراً إلى النيابة العامة، في خطوة اعتُبرت الأكثر تقدماً منذ بدء التحقيقات.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول قضائي لبناني أن تقرير البيطار تضمّن اتهام نحو 70 شخصاً بجرائم متفاوتة الصلة بالانفجار، مشيراً إلى أن المحقق العدلي ينتظر ردّ النيابة العامة قبل إصدار القرار الاتهامي الذي سيمهد لبدء المحاكمات.
عائلات الضحايا: لا حداد بلا عدالة
وخلال إحياء الذكرى، جدد أهالي الضحايا مطالبتهم بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، مؤكدين أن العدالة وحدها قادرة على إنهاء سنوات من المعاناة.
وقال بول نجار، والد الطفلة ألكسندرا التي قضت في الانفجار، إن العائلات لم تتمكن حتى اليوم من الدخول في مرحلة الحداد الحقيقي، لأن القضية ما زالت بلا محاسبة، معتبراً أن غياب العدالة يعني أن حياة الضحايا “فقدت قيمتها”.
وتعكس هذه التصريحات حجم الجرح الذي ما زال مفتوحاً في المجتمع اللبناني، حيث تحولت ذكرى الانفجار إلى مناسبة سنوية للمطالبة بمحاسبة المسؤولين وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.
القضاء أمام اختبار مصيري
من جانبه، أكد وزير العدل اللبناني عادل نصار، خلال وضعه إكليلاً من الزهور في موقع الانفجار، أن الدولة والقضاء ملزمان بإيصال هذا الملف إلى نهايته.
وأشار إلى أن استعادة ثقة اللبنانيين بمؤسسات الدولة لن تكون ممكنة من دون قضاء مستقل قادر على محاسبة المسؤولين عن كارثة بهذا الحجم، معتبراً أن العدالة في قضية المرفأ أصبحت اختباراً لمصداقية الدولة اللبنانية بأكملها.
هل اقتربت الحقيقة؟
ويرى مراقبون أن استئناف التحقيق يمثل فرصة حقيقية لإخراج القضية من حالة الجمود التي استمرت سنوات، مستفيداً من تغير المشهد السياسي في لبنان وتراجع الضغوط التي كانت تعرقل عمل القضاء.
لكن في المقابل، لا تزال التحديات قائمة، إذ إن إحالة عشرات المتهمين إلى المحاكمة قد تفتح مواجهة سياسية وقضائية جديدة، خاصة إذا شملت الاتهامات مسؤولين سابقين في أجهزة الدولة والإدارة والأمن.
ويؤكد خبراء قانونيون أن نجاح التحقيق لن يقاس بإصدار لوائح اتهام فقط، بل بقدرة القضاء على استكمال المحاكمات وإصدار أحكام نهائية بعيداً عن التدخلات السياسية، وهو ما سيحدد ما إذا كانت كارثة مرفأ بيروت ستصبح بداية لترسيخ مبدأ المحاسبة في لبنان، أم ستبقى مثالاً جديداً على الإفلات من العقاب.
وبعد ست سنوات من الانفجار الذي غيّر وجه العاصمة اللبنانية، لا يزال اللبنانيون يطالبون بالإجابة عن السؤال ذاته: من المسؤول؟ ويبدو أن الأشهر المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا الملف سيتحول أخيراً من قضية معلقة إلى محاكمة تاريخية طال انتظارها.







