حرية
انتقلت احتجاجات الخريف الأوروبي، بعد أن كانت محصورة في فواتير المعيشة وأسعار الطاقة، إلى قلب الجامعات التي تحولت إلى ساحة جديدة للصراع حول أولويات الإنفاق العام.
ففي فيينا، خرج آلاف الطلاب والباحثين والعاملين في الجامعات احتجاجًا على خطة تمويل يقولون إنها ستقود، بعد احتساب التضخم، إلى خفض فعلي يقارب 10%، بما يهدد الوظائف والبحث العلمي والرعاية الطبية المرتبطة بالمؤسسات الجامعية.
وتضع تظاهرات العاصمة النمساوية التعليم العالي داخل موجة احتجاج أوسع شهدتها باريس وميلانو ومدن أوروبية أخرى خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2026.
ورغم اختلاف الشرارة بين بلد وآخر، فإن المطالب تلتقي عند سؤال واحد: من يتحمل كلفة التقشف حين ترتفع تكاليف السكن والطاقة والدراسة، بينما توجه الحكومات مزيدًا من الأموال إلى الدفاع أو تحاول سد عجز الموازنات؟
فيينا تختبر حدود التقشف
دعت الجامعات النمساوية واتحاد الطلبة إلى التظاهر في 22 أكتوبر أمام جامعة فيينا التقنية، بعد الإعلان عن موازنة الفترة المقبلة.
ووفق بيان الجامعة الطبية في فيينا، يبلغ إجمالي موازنة الجامعات النمساوية الـ22 خلال الفترة الحالية 16.5 مليار يورو، فيما ترى رابطة الجامعات أن الحفاظ على مستوى التشغيل نفسه بين عامي 2028 و2030 يتطلب رفع الموازنة إلى 18 مليار يورو بسبب التضخم.
لكن الرقم المحدد حاليًا هو 16 مليار يورو فقط؛ ما يعني خفضًا فعليًا يقترب من 10% بالقيمة الحقيقية.
ولا يرى المحتجون أن الخفض سيصيب الإدارة الجامعية وحدها؛ فالجامعات تحذر من تقليص التدريس والبرامج الدراسية، وتراجع القدرة على تمويل المختبرات والمشروعات البحثية، وفقدان الكفاءات لمصلحة دول أخرى.
كما حذرت الجامعة الطبية في فيينا من أن الأثر قد يمتد إلى الرعاية الطبية الجامعية، بما يقلل الطاقة الاستيعابية للعلاج والتدريب الطبي في المدى الطويل.
وذكرت صحيفة “20 مينت” الفرنسية أن نحو 50 ألف شخص شاركوا في احتجاجات فيينا، بينما أشارت تغطيات أخرى إلى تقديرات أقل، وهو اختلاف يعكس اتساع التحرك لكنه يؤكد أيضًا صعوبة تثبيت رقم نهائي للمشاركين.
ورفع المتظاهرون مطالب بوقف خفض الإنفاق على التعليم، معتبرين أن تمويل الجامعات ليس بندًا قابلًا للتأجيل، بل استثمارًا في الاقتصاد والابتكار والكوادر التي ستحتاج إليها النمسا خلال السنوات المقبلة.
تمدد الاحتجاجات
تأتي فيينا بعد موجة احتجاجات طلابية واجتماعية انتقلت بين عدة عواصم أوروبية؛ ففي فرنسا بدأت التعبئة في سبتمبر بسبب نقص المدرسين وتكدس الفصول وتراجع الموارد، قبل أن تتسع لتشمل تكاليف المعيشة وعنف الشرطة.
وبحلول 17 أكتوبر، شارك آلاف الفرنسيين في الاحتجاجات التي تحولت إلى أعمال عنف، ما أدى إلى توقيف المئات وإصابة مئات من أفراد الشرطة والدرك والإطفاء، إلى جانب أضرار لحقت بمتاجر ومبانٍ عامة.
وهكذا طغى سؤال الأمن على أصل الغضب الاجتماعي، وتحول الاحتجاج إلى ساحة مبكرة للصراع على خلافة إيمانويل ماكرون، في انتخابات 2027.
وفي إيطاليا، خرج الطلاب في مدن عدة خلال تحرك “يوم بلا ميلوني” احتجاجًا على سياسات التعليم وارتفاع تكاليف الحياة وزيادة الإنفاق العسكري.
وطالب المحتجون بتوجيه موارد أكبر إلى المدارس والجامعات والخدمات الاجتماعية بدلًا من توسيع الموازنة الدفاعية.
وشهدت ميلانو مسيرات كبيرة، بالتزامن مع احتلال طلابي لبعض المؤسسات وتنظيم جمعيات عامة داخلها.
ووفق الخبيرة الاقتصادية في جامعة لويس بروما، فيرونيكا دي رومانيس، فإن القلق من المستقبل يدفع الإيطاليين، خصوصاً الشباب، إلى الاحتجاج، لأن التقدم المهني لا ينعكس في أجورهم.
أما في بلجيكا وألمانيا، فقد ارتبطت الاحتجاجات بمخاوف من ارتفاع تكلفة التعليم وبخطط تقليص الإنفاق، بينما شهدت اليونان اعتصامًا طلابيًا في ميدان “سينتاغما” ضد أزمة السكن وتكاليف الدراسة.
وفي أيرلندا، طالب الطلاب بخفض الرسوم وتوفير مساكن جامعية مملوكة للدولة وتحسين وسائل النقل للطلاب القادمين من مناطق بعيدة.
أزمات متراكمة
واعتبر تحليل لـ”Higher Education Europe” أن هذه التحركات تأتي تعبيرًا عن جيل تشكل وعيه وسط سلسلة متراكمة من الأزمات: جائحة كورونا، التضخم، القلق المناخي، الحروب، وصعود اليمين المتطرف.
لذلك لم تعد الجامعة منفصلة عن مشكلات السكن والعمل والطاقة، ولم يعد الطالب يحتج على المناهج وحدها، بل على نموذج اقتصادي يشعر بأنه يدفعه إلى مستقبل أقل استقرارًا.
وتكشف احتجاجات فيينا تحديدًا أن أزمة التعليم العالي لم تعد قضية نخبوية؛ فالجامعات تربط تمويلها بالقدرة على الابتكار والتنافسية والاستقرار الديمقراطي والدفاع المدني، بينما يراها الطلاب بوابة للوظيفة والحراك الاجتماعي.







