حرية
يواجه العراق اختباراً أمنياً وسياسياً بالغ التعقيد، بعدما تلقى تحذيرات مباشرة من عدد من دول الجوار بأن أي هجمات تنطلق من أراضيه باتجاهها ستُقابل برد عسكري يستهدف الفصائل المسلحة داخل العراق، في تطور يعكس اتساع رقعة التوتر الإقليمي واحتمال انتقال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى الساحة العراقية.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تسعى فيه حكومة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي إلى تثبيت معادلة تقوم على منع استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف الدول الأخرى، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من فقدان بغداد قدرتها على تحييد نفسها عن صراعات المنطقة.
تحذيرات غير مسبوقة
التحذيرات الإقليمية جاءت عقب سلسلة هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ نُسبت إلى فصائل عراقية موالية لإيران، استهدفت منشآت ومصالح في دول مجاورة، وفي مقدمتها السعودية، الأمر الذي دفع عدداً من العواصم العربية إلى مطالبة بغداد باتخاذ إجراءات حاسمة لمنع تكرار تلك الهجمات.
ووفق معطيات متداولة، فإن السعودية والأردن وسوريا والكويت أبلغت العراق بأن أي اعتداء جديد ينطلق من أراضيه سيُعد مسؤولية مباشرة للحكومة العراقية، وسيُواجه بضربات تستهدف مصادر التهديد داخل الأراضي العراقية.
وجاء هذا الموقف بعد إعلان الرياض اعتراض طائرات مسيرة قالت إنها انطلقت من الأجواء العراقية باتجاه منشآت حيوية داخل المملكة، أعقبها تنفيذ ضربات مشتركة مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) استهدفت مواقع ومستودعات تابعة للحشد الشعبي في 29 تموز/ يوليو الماضي، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.
في المقابل، نفت “المقاومة الإسلامية في العراق” مسؤوليتها عن تلك الهجمات، ووصفت الاتهامات السعودية بأنها “لا أساس لها من الصحة”، معتبرة أنها محاولة لإقحام العراق في صراع إقليمي.
بغداد تتحرك لاحتواء الأزمة
إزاء هذا التصعيد، عقد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي اجتماعاً أمنياً طارئاً، شدد خلاله على ضرورة منع أي تهديد ينطلق من الأراضي العراقية، مؤكداً أن حماية سيادة البلاد ومنع تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية مسؤولية حصرية للدولة.
ووجّه الزيدي بتشكيل لجنة أمنية مشتركة لمتابعة الخروقات، ورفع مستوى الجاهزية العسكرية والاستخبارية، مع اعتماد إجراءات رادعة تحول دون استخدام الأراضي العراقية في أي عمليات عسكرية تستهدف دول الجوار.
ويعكس هذا التحرك محاولة حكومية لإرسال رسائل مزدوجة؛ الأولى إلى الداخل بأن قرار الأمن بيد الدولة، والثانية إلى الخارج بأن بغداد لا ترغب في الانخراط بأي مواجهة إقليمية.
البرلمان يدعو إلى الدبلوماسية
عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية صكر المحمداوي يرى أن حماية سيادة العراق تمثل أولوية وطنية، مؤكداً أن أي استهداف للأراضي العراقية يعد انتهاكاً للقانون الدولي.
ودعا المحمداوي إلى معالجة الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، محذراً من أن أي تصعيد عسكري داخل العراق ستكون له تداعيات خطيرة على أمن البلاد والمنطقة، مطالباً الحكومة بتعزيز قدرات القوات الأمنية وتكثيف الاتصالات مع دول الجوار لمنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة.
الفصائل… بين العقيدة والسياسة
وتقول الفصائل المسلحة المقربة من إيران إن تحركاتها تأتي ضمن ما تسميه “محور المقاومة”، في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، وهو النهج الذي تصاعد منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة أواخر عام 2023، ثم توسع مع احتدام الصراع الأميركي الإيراني.
وبرزت خلال المرحلة الماضية أسماء مثل كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء بوصفها أبرز الفصائل التي تتمسك باستمرار نشاطها العسكري خارج منظومة الدولة، في حين تبدو فصائل أخرى، مثل عصائب أهل الحق، أكثر انخراطاً في العملية السياسية مع احتفاظها بنفوذها العسكري.
ويجعل هذا التباين ملف حصر السلاح بيد الدولة واحداً من أكثر الملفات تعقيداً، في ظل اختلاف الرؤى بين القوى السياسية والفصائل المسلحة بشأن مستقبل وجودها ودورها.
العراق في قلب الصراع الأميركي الإيراني
ويرى الخبير الأمني علاء النشوع أن العراق تحول عملياً إلى إحدى ساحات الصراع المباشر بين واشنطن وطهران، خصوصاً بعد الحرب التي اندلعت بين الطرفين مطلع عام 2026.
ويقول إن إيران تنظر إلى العراق باعتباره ورقة استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة، مستفيدة من وجود فصائل مسلحة تمتلك ترسانة عسكرية وقدرة على تنفيذ عمليات خارج الحدود.
ويضيف أن هذه المعادلة وضعت بغداد أمام مسؤوليات سياسية وقانونية كبيرة، خاصة عندما تنطلق هجمات من أراضيها باتجاه دول ترتبط معها بعلاقات واتفاقيات أمنية.
ويحذر النشوع من أن استمرار هذا الواقع يمنح دول الجوار مبررات للرد العسكري داخل العراق، مؤكداً أن احترام سيادة البلاد يبدأ بمنع استخدام أراضيها لتهديد أمن الآخرين.
خطاب السيادة
في المقابل، تؤكد الفصائل المقربة من إيران تمسكها بمبدأ الدفاع عن السيادة العراقية.
ويقول حسين الشيحاني، عضو المكتب السياسي لحركة “صادقون”، إن العراق ليس دولة مستباحة، وإن أي اعتداء على أراضيه يمثل انتهاكاً لسيادته، مشدداً على دعم مشروع الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بيد الحكومة.
لكنه يضيف أن هذا الموقف لا يعني التراجع أمام التهديدات الخارجية، مؤكداً أن الفصائل لا تسعى إلى التصعيد، لكنها “لن تتردد في الرد” إذا تعرض العراق لأي اعتداء.
هل نجحت التهدئة؟
وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع معلومات عن رفع الفصائل العراقية مستوى جاهزيتها العسكرية، بالتوازي مع اتصالات أجراها الحرس الثوري الإيراني مع حلفائه في العراق ولبنان واليمن لبحث سيناريوهات الرد في حال اندلاع مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة.
إلا أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق العملية العسكرية التي كانت تدرس ضد إيران، مقابل فتح باب التفاوض بشأن الملف النووي وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، خفف مؤقتاً من احتمالات الانفجار العسكري.
غير أن هذا التراجع لا يعني انتهاء الأزمة، إذ يرى مراقبون أن العراق ما يزال يقف في قلب معادلة إقليمية شديدة الهشاشة، حيث يكفي أي هجوم جديد أو خطأ في الحسابات لإعادة إشعال المواجهة.
معادلة صعبة
تكشف الأزمة الراهنة حجم التحدي الذي تواجهه الحكومة العراقية في تحقيق توازن بين التزاماتها الإقليمية والدولية من جهة، وبين النفوذ الذي تتمتع به الفصائل المسلحة داخل البلاد من جهة أخرى.
وفي ظل استمرار التنافس الأميركي الإيراني، تبدو بغداد مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإثبات قدرتها على فرض احتكار الدولة للسلاح ومنع استخدام أراضيها في الصراعات الإقليمية، لأن أي إخفاق في ذلك قد يجعل العراق أول المتضررين من أي مواجهة مقبلة، سواء سياسياً أو أمنياً أو اقتصادياً.







