حرية
قدم عدد من أعضاء مجلس النواب العراقي، اليوم الأحد، طلباً إلى رئيس المجلس هيبت الحلبوسي، لإدراج مقترح يقضي بتجميد عمل مجالس المحافظات وموازناتها للدورة الحالية على جدول أعمال أقرب جلسة، تمهيداً للتصويت عليه.
وبحسب وثيقة نيابية، يستند الطلب إلى أحكام المادة 20/أولاً من قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل، والتي تمنح مجلس النواب صلاحية التدخل عند وجود إخلال جسيم بالأعمال والمهام الموكلة إلى مجالس المحافظات أو مخالفة الدستور والقوانين.
كما استند النواب إلى المادة 2/ثالثاً من القانون ذاته، التي تخضع مجالس المحافظات لرقابة مجلس النواب، معتبرين أن هذه النصوص توفر أساساً قانونياً لمناقشة تجميد عمل المجالس وموازناتها.
عودة الجدل حول جدوى مجالس المحافظات
ويعيد التحرك النيابي ملف مجالس المحافظات إلى واجهة النقاش السياسي، بعد سنوات من الجدل بشأن طبيعة دورها ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها.
فالمجالس يفترض أن تؤدي دوراً رقابياً وتشريعياً على مستوى المحافظات، إلى جانب انتخاب الحكومات المحلية وإقرار الخطط والموازنات الخدمية ومتابعة أداء المؤسسات التنفيذية، إلا أن التجربة واجهت منذ بدايتها انتقادات واسعة بسبب اتهامات تتعلق بالمحاصصة السياسية وضعف الأداء وتداخل الصلاحيات.
وكان البرلمان قد أنهى عمل مجالس المحافظات عام 2019، في خضم الاحتجاجات الشعبية التي طالبت بإلغاء المجالس ومحاسبة المسؤولين عن ملفات الفساد وسوء إدارة المال العام، قبل أن تعود المجالس إلى العمل لاحقاً وفق الاستحقاقات الانتخابية الجديدة.
الموازنة.. جوهر الصراع
ويبدو أن إدراج موازنات مجالس المحافظات ضمن طلب التجميد يكشف أن القضية لا تتعلق فقط ببقاء المجالس كمؤسسات سياسية، وإنما بإدارة الأموال والصلاحيات التي تتمتع بها.
فالمجالس المحلية تمتلك تأثيراً مباشراً في تحديد الأولويات الخدمية وتوزيع الموارد داخل المحافظات، الأمر الذي يجعل تجميد موازناتها خطوة ذات انعكاسات تتجاوز الجانب الإداري إلى طريقة إدارة المشاريع والخدمات المحلية.
وفي حال وصول المقترح إلى التصويت، فإن البرلمان سيكون أمام اختبار سياسي وقانوني بشأن مدى استمرار الصيغة الحالية للحكم المحلي، وما إذا كانت المشكلات التي رافقت التجربة تستدعي إصلاحها وإعادة تنظيم صلاحياتها، أم تجميدها إلى حين معالجة مكامن الخلل.
إصلاح أم عودة إلى نقطة الصفر؟
التحرك النيابي يفتح في الواقع سؤالاً أوسع: هل المشكلة في وجود مجالس المحافظات نفسها أم في طريقة تشكيلها وإدارتها وصلاحياتها؟
فإلغاء أو تجميد المجالس قد يحد من بعض مظاهر المحاصصة والصراع على الموارد، لكنه في المقابل قد يترك المحافظات أمام فراغ في إحدى أهم حلقات الرقابة المحلية، ما لم تُطرح آلية بديلة واضحة لممارسة هذه الوظائف.
أما الإبقاء على المجالس بصيغتها الحالية من دون معالجة الانتقادات المتراكمة، فقد يعني استمرار الخلافات حول الصلاحيات والموازنات وتوزيع المشاريع.
وعليه، فإن التصويت المرتقب ـ إن أدرج الطلب على جدول الأعمال ـ قد لا يكون مجرد قرار إداري بتجميد مؤسسة محلية، بل اختباراً جديداً لنموذج اللامركزية السياسية والمالية في العراق، ومدى قدرة البرلمان على إيجاد توازن بين الرقابة على الحكومات المحلية والحفاظ على حق المحافظات في إدارة شؤونها بعيداً عن هيمنة المركز.









