حرية
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته تجاه إيران، متوعداً إياها بـ”عقاب عسكري كبير”، لكنه أبقى في الوقت نفسه الباب مفتوحاً أمام التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، شريطة أن يتحقق في وقت قريب، في مؤشر على استمرار اعتماد واشنطن سياسة الجمع بين الضغط العسكري والانفتاح على التفاوض.
وقال ترامب، خلال حضوره عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض، إنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن تنفيذ موجة جديدة من الضربات واسعة النطاق ضد إيران، مؤكداً أن الحرب “تسير بشكل جيد للغاية”، وداعياً إلى تجاهل ما وصفها بـ”الأخبار الكاذبة”.
وأضاف أن الولايات المتحدة تواصل المحادثات مع طهران، معتبراً أن الجانب الإيراني يبدو أكثر جدية في المفاوضات مقارنة بالفترات السابقة، لكنه استدرك بالقول إن ذلك لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق قريب.
وأوضح أن الإدارة الأميركية تمتلك خيارين؛ الأول مواصلة العمليات العسكرية الحالية أو حتى توسيعها بما يؤدي إلى تدمير مزيد من القدرات الإيرانية، والثاني التوصل إلى اتفاق سياسي، واصفاً هذا الخيار بأنه “الأكثر ذكاءً”.
وأشار ترمب إلى أنه يعتقد أن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، لكنه يرى أنها “ليست مستعدة بعد” لإبرامه، مؤكداً في الوقت نفسه استعداده للاستماع إلى أي مقترحات يمكن أن تقود إلى تسوية.
وتزامنت تصريحات الرئيس الأميركي مع تطور لافت، إذ لم تنشر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، للمرة الأولى منذ ثلاثة عشر يوماً، أي بيان يعلن تنفيذ ضربات جديدة داخل إيران، كما لم تتحدث وسائل الإعلام الإيرانية عن وقوع انفجارات، ما أثار تساؤلات بشأن احتمال حدوث تهدئة ميدانية مؤقتة أو إعادة تقييم للعمليات العسكرية.
وفي البيت الأبيض، عقد ترمب اجتماعاً مع كبار مستشاريه الأمنيين والعسكريين لبحث مستقبل العمليات ضد إيران، قبل أن يؤكد أن المفاوضات لا تزال مستمرة، مع إبقاء خيار تصعيد الضربات مطروحاً إذا لم تحقق المساعي السياسية نتائج ملموسة.
وفي موازاة ذلك، كشفت مصادر عن تحركات تقودها باكستان لاستكشاف إمكانية استئناف المحادثات الأميركية الإيرانية، بعد مبادرة صينية في الاتجاه ذاته، حيث شهدت إسلام آباد لقاءات بين مسؤولين إيرانيين وباكستانيين تناولت سبل إنهاء الحرب وإعادة إطلاق المسار التفاوضي.
في المقابل، أبدت إسرائيل استعدادها لمواصلة العمليات العسكرية، فيما أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن الأخير سيزور واشنطن الأسبوع المقبل للقاء الرئيس الأميركي، في زيارة تأتي مع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران شهرها الخامس.
إلا أن تقارير إعلامية أميركية تحدثت عن وجود فتور في العلاقة بين ترمب ونتنياهو، إذ نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية أن الرئيس الأميركي أبدى في أكثر من مناسبة انزعاجه من رئيس الوزراء الإسرائيلي، حتى إنه أخبر بعض مساعديه بأنه لا يرغب في التحدث إليه أو استقباله، قبل أن يسعى الجانب الإسرائيلي إلى ترتيب اللقاء المرتقب.
تكشف تصريحات ترمب عن استمرار استراتيجية “التصعيد من أجل التفاوض”، إذ تحاول الإدارة الأميركية استخدام الضغط العسكري لإجبار إيران على تقديم تنازلات، مع الإبقاء على المسار الدبلوماسي خياراً قائماً لتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة وطويلة الأمد.
ويعد غياب بيانات “سنتكوم” بشأن تنفيذ ضربات جديدة تطوراً يستحق المتابعة، إذ قد يشير إلى هدنة عملياتية مؤقتة، أو إلى إعادة تموضع عسكري بانتظار نتائج الاتصالات السياسية الجارية عبر الوسطاء، ولا سيما باكستان والصين.
في المقابل، تعكس زيارة بنيامين نتنياهو المرتقبة إلى واشنطن استمرار التنسيق الأميركي الإسرائيلي بشأن الحرب، لكنها تأتي في ظل مؤشرات على تباين في الرؤى بين الطرفين حول إدارة الصراع، خصوصاً إذا كانت واشنطن تميل إلى إعطاء فرصة أكبر للمفاوضات، بينما تفضل إسرائيل الإبقاء على الضغط العسكري.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الأزمة دخلت مرحلة أكثر تعقيداً؛ إذ تتقاطع فيها العمليات العسكرية مع التحركات الدبلوماسية، ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تصعيد أوسع أو نحو تفاهم سياسي مؤقت يوقف القتال ويفتح الباب أمام جولة جديدة من المفاوضات.







