حرية
أثار تقرير أصدرته جماعة الحوثي، التي تصنفها الولايات المتحدة وعدد من الدول منظمة إرهابية، موجة واسعة من الجدل بعدما قدّر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب والقيود المفروضة على مناطق سيطرتها بأكثر من 1.13 تريليون دولار، وهو رقم وصفه اقتصاديون يمنيون بأنه يفتقر إلى الأسس العلمية ويطرح تساؤلات بشأن أهداف توقيت نشره ودلالاته السياسية.
ويرى مختصون أن التقرير لا يقدم منهجية واضحة لاحتساب الخسائر، إذ يغيب عنه الإفصاح عن مصادر البيانات وآليات التقييم، كما لا يميز بين الخسائر المباشرة وغير المباشرة، ولا يوضح ما إذا كانت التقديرات تشمل تكلفة إعادة الإعمار أو الفرص الاقتصادية الضائعة أو تأثير التضخم، وهي معايير أساسية في أي دراسة اقتصادية معتمدة.
ويقول أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، يوسف سعيد أحمد، إن الرقم المعلن يصعب قبوله من الناحية الحسابية، بالنظر إلى حجم الاقتصاد اليمني قبل اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن التقرير لم يوضح ما إذا كانت الخسائر تتعلق بالناتج المحلي، أو البنية التحتية، أو الإيرادات النفطية، أو هجرة رؤوس الأموال، أو التراجع في قطاعات التعليم والصحة ورأس المال البشري.
وأضاف أن أي تقدير اقتصادي بهذا الحجم يحتاج إلى منهجية قابلة للمراجعة والتدقيق، تتضمن الفرضيات الاقتصادية، وآليات الاحتساب، والقيمة الزمنية للنقود، وهو ما لم يتوفر في التقرير، الأمر الذي يضعف من موثوقيته العلمية.
ويرى باحثون يمنيون أن التقرير يتجاهل جانباً أساسياً من الأزمة الاقتصادية، يتمثل في تأثير سياسات جماعة الحوثي نفسها منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء عام 2014، وما رافقها من انقسام المؤسسات المالية، ومصادرة الإيرادات العامة، وفرض الجبايات، وتوسيع اقتصاد الحرب، وهي عوامل أسهمت، بحسبهم، في تعميق الانهيار الاقتصادي وتراجع النشاط الاستثماري وهروب رؤوس الأموال.
ويصف الباحث الاقتصادي عبد الواحد العوبلي الرقم المعلن بأنه “مبالغ فيه”، معتبراً أنه يجمع بين الخسائر الفعلية والتقديرات الافتراضية والفرص الضائعة دون تقديم وثائق أو بيانات مالية تدعم تلك الأرقام، لافتاً إلى أن الجماعة لم تنشر منذ سنوات موازنات عامة أو حسابات ختامية توضح حجم الإيرادات والإنفاق في مناطق سيطرتها.
من جهته، يرى الباحث عبد الحميد المساجدي أن توقيت التقرير يحمل بعداً سياسياً وإعلامياً، إذ يسعى إلى إعادة توجيه المسؤولية عن الانهيار الاقتصادي نحو الحرب والعوامل الخارجية، مع التقليل من أثر السياسات الداخلية التي ساهمت في تعقيد الأزمة الاقتصادية والإنسانية.
ويذهب محللون إلى أن تضخيم أرقام الخسائر قد يهدف أيضاً إلى تعزيز خطاب “المظلومية” الذي تتبناه الجماعة، وتقديم نفسها بوصفها الطرف الأكثر تضرراً من الحرب، في وقت تتعرض فيه لانتقادات متزايدة بشأن إدارة الموارد، وتعليق صرف رواتب الموظفين، وتوسيع شبكات الجباية، واستمرار اقتصاد الحرب.
بدوره، أكد وكيل وزارة الإعلام اليمنية، فياض النعمان، أن الأرقام الواردة في التقرير تفتقر إلى المصداقية، معتبراً أنه لا يمكن اقتصادياً الحديث عن خسائر تتجاوز تريليون دولار في بلد لم يبلغ ناتجه المحلي قبل الحرب سوى جزء محدود من هذا الرقم، مشيراً إلى أن التقرير يخلط بين الخسائر الفعلية والتقديرات المستقبلية بهدف إنتاج رواية سياسية أكثر من كونه تقييماً اقتصادياً.
يعكس التقرير الحوثي محاولة لإعادة صياغة السردية الاقتصادية للحرب، من خلال التركيز على العقوبات والقيود الخارجية بوصفها السبب الرئيس للانهيار، بينما يقلل من تأثير التحولات التي شهدها الاقتصاد اليمني منذ سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة. كما أن غياب المنهجية العلمية والبيانات القابلة للتحقق يجعل الرقم المعلن أقرب إلى رسالة سياسية وإعلامية منه إلى دراسة اقتصادية متخصصة.
ويشير الجدل الذي أثاره التقرير إلى أن معركة الأرقام أصبحت جزءاً من الصراع الدائر في اليمن، حيث يسعى كل طرف إلى تحميل الآخر مسؤولية الانهيار الاقتصادي، في وقت يؤكد فيه خبراء أن الوصول إلى تقدير حقيقي للخسائر يتطلب تقييماً مستقلاً وشفافاً يحدد بدقة حجم الدمار وأسبابه، ويفصل بين كلفة الحرب المباشرة وتداعيات السياسات الاقتصادية والإدارية التي تراكمت على مدى أكثر من عقد.







