حرية
في تطور لافت يعكس تحولات متسارعة في المشهد الإقليمي، كشفت صحيفة بريطانية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجرى اتصالات غير مباشرة مع حزب الله اللبناني عبر وسطاء، في خطوة وصفتها بأنها “سابقة تاريخية” نظراً لتصنيف الحزب على قوائم الإرهاب الأمريكية منذ عقود. وجاء هذا التطور بالتزامن مع الإعلان عن هدنة جزئية بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لاحتواء التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأشهر الماضية.
وبحسب التقارير، فإن التفاهم الجديد يقضي بوقف الغارات الإسرائيلية على بيروت والضاحية الجنوبية مقابل وقف حزب الله للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة ضد إسرائيل. كما أعلن ترامب أن الاتصالات التي جرت عبر قنوات غير مباشرة أسهمت في التوصل إلى هذه التهدئة، مؤكداً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وافق على وقف التصعيد نحو العاصمة اللبنانية، فيما تعهد الحزب بوقف الهجمات المتبادلة.
دلالات سياسية
تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تمثل تحولاً في آلية التعاطي الأمريكي مع القوى الفاعلة في المنطقة. فواشنطن كانت ترفض طوال السنوات الماضية أي تواصل مباشر أو غير مباشر مع حزب الله، إلا أن تعقيدات الحرب الحالية واتساع رقعة المواجهة دفعت الإدارة الأمريكية إلى البحث عن قنوات عملية لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
ويرى مراقبون أن إدارة ترامب تتبنى مقاربة براغماتية تقوم على تحقيق النتائج الميدانية بغض النظر عن الحساسيات السياسية التقليدية، خصوصاً مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية لإنهاء النزاعات المفتوحة في الشرق الأوسط.
هدنة هشة
ورغم الإعلان عن التهدئة، فإن المؤشرات الميدانية لا تزال توحي بأن الاتفاق يواجه تحديات كبيرة. فإسرائيل أكدت استمرار عملياتها البرية في جنوب لبنان، مبررة ذلك بضرورة التعامل مع التهديدات الأمنية المستمرة، بينما ربط حزب الله نجاح أي تهدئة شاملة بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تقدمت إليها مؤخراً.
هذا التباين في المواقف يكشف أن الاتفاق الحالي أقرب إلى “إدارة للصراع” منه إلى تسوية نهائية، إذ يسعى كل طرف إلى تثبيت مكاسبه الميدانية والسياسية قبل الدخول في أي مفاوضات أوسع.
انعكاسات إقليمية
يأتي هذا التطور في وقت تتداخل فيه الساحة اللبنانية مع المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. فالحرب في لبنان لم تعد ملفاً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً من شبكة صراعات إقليمية تشمل الخليج والعراق وسوريا ومضيق هرمز.
ومن هنا، فإن نجاح التهدئة اللبنانية قد يفتح الباب أمام ترتيبات أوسع تشمل تخفيف التوتر بين واشنطن وطهران، بينما قد يؤدي فشلها إلى إعادة إشعال عدة جبهات في وقت واحد.
قراءة مستقبلية
يمكن النظر إلى الاتصالات غير المباشرة بين إدارة ترامب وحزب الله باعتبارها مؤشراً على تغير قواعد الاشتباك السياسية في المنطقة. فحين تصل الصراعات إلى مستويات تهدد الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية، تصبح القنوات غير التقليدية أداة ضرورية لإدارة الأزمات.
لكن في المقابل، يبقى مستقبل هذه المبادرة مرهوناً بمدى قدرة الأطراف المختلفة على ترجمة التهدئة العسكرية إلى تفاهمات سياسية أكثر استدامة. وحتى الآن، تبدو الهدنة خطوة أولى نحو خفض التصعيد، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون نهاية للحرب أو بداية لتسوية شاملة في الشرق الأوسط.






