حرية | السبت 21آذار 2026 إعداد: قسم الاخبار – أشراف أحمد الحمداني
حسين مؤنس بين إدارة التوازنات وروايات الجدل… “الطرف الثالث” وصراع الصورة في العراق والشاهر يحسم الجدل
في سياق سياسي وأمني شديد الحساسية، يواصل رئيس كتلة حقوق النيابية حسين مؤنس تقديم خطاب يوازن بين الانتماء إلى بيئة “المقاومة” وبين تبنّي منطق الدولة ومقتضياتها. هذا التوازن ظهر بوضوح في حديثه الأخير، الذي لا يمكن قراءته كتصريح عابر، بل كوثيقة سياسية تحمل أبعاداً استراتيجية في فهم طبيعة الصراع داخل العراق.
منذ البداية، يضع مؤنس إطاراً واضحاً لموقفه، قائلاً إن “حركة حقوق ليست مع استهداف البعثات الدبلوماسية التي تمارس مهامها الدبلوماسية”، مؤكداً أن الهدف هو “بناء دولة تحافظ على كرامة الناس، لا البحث عن الفوضى” هذا الطرح يعكس انتقالاً مهماً من منطق الصراع المفتوح إلى منطق الدولة، حيث تصبح السيادة مرتبطة بحماية العلاقات الدولية لا تهديدها.
لكن الأهم في حديث مؤنس ليس فقط هذا الموقف، بل تفسيره لما يحدث فعلياً على الأرض.
أولاً: إعادة تعريف الاستهدافات… من الفاعل إلى المستفيد
يقدّم مؤنس قراءة مختلفة للهجمات التي طالت بعض البعثات، إذ يربطها بسياق أوسع يتعلق برفض هذه الدول الانخراط في صراعات إقليمية، مثل ملف مضيق هرمز. ووفق هذا التحليل، فإن استهداف هذه البعثات لا يخدم “المقاومة”، بل يخدم جهة أخرى تسعى إلى:
جرّ الدول الأوروبية إلى ساحة الصراع
خلق انطباع بأن البيئة العراقية غير آمنة
دفع هذه الدول إلى اتخاذ مواقف أكثر حدة أو تدخلية
ومن هنا يصل مؤنس إلى استنتاج محوري:
“وجود طرف ثالث مستفيد من هذه العمليات”
هذا التحول من سؤال “من نفّذ؟” إلى “من المستفيد؟” يمثل نقلة في التفكير الأمني، ويعكس مقاربة أقرب إلى التحليل الاستخباري منها إلى الخطاب السياسي التقليدي.
ثانياً: التفريق بين البعثات… قراءة في منطق الاستهداف
في حديثه، يميّز مؤنس بوضوح بين نوعين من البعثات:
البعثات الأوروبية
يصف استهدافها بأنه غير مبرر ضمن منطق “المقاومة”، ويُرجّح أن يكون جزءاً من مخطط أوسع لجرّ أوروبا إلى الصراع.
السفارة الأمريكية
هنا يطرح رؤية مختلفة، حيث يشير إلى أن بعض الفصائل ترى أن السفارة لا تقتصر على العمل الدبلوماسي، بل تضم “أوكاراً استخبارية وعناصر أمنية”، ما يجعلها – من وجهة نظرهم – هدفاً مختلفاً.
هذا التفريق يكشف عن “عقيدة استهداف” قائمة على تعريف طبيعة الهدف، وليس فقط موقعه أو صفته الرسمية.
ثالثاً: “الطرف الثالث”… أداة إدارة الصراع
تحليل مؤنس يتقاطع مع مفاهيم متقدمة في العمل الاستخباري، حيث تُستخدم جهات غير معلنة لتنفيذ عمليات بهدف:
خلق تصعيد محسوب دون تحمّل المسؤولية
توجيه الاتهام نحو أطراف محددة
إعادة تشكيل مواقف الدول المترددة
وفي الحالة العراقية، فإن استهداف بعثات أوروبية تحديداً يحمل دلالة واضحة:
محاولة توسيع دائرة الصراع دولياً، وليس فقط إدارته محلياً.

رابعاً: تقاطع حديث مؤنس مع رسالة عمر الشاهر
عند وضع حديث مؤنس بجانب رسالة الصحفي عمر الشاهر، تتضح صورة أكثر تعقيداً.
الشاهر، الذي استعاد رواية الراحل هشام الهاشمي حول ربط مؤنس بشخصية “أبو علي العسكري”، عاد ليقدّم قراءة مغايرة، مؤكداً أن مؤنس بحسب فهمه “ضد التصعيد ولا يؤمن بإقحام العراق في معادلات خطيرة”.
هذا التقاطع مهم لسببين:
حديث مؤنس نفسه يعزز صورة “السياسي غير التصعيدي”
رسالة الشاهر تمثل محاولة لفصل الشخصية عن الروايات المتداولة
وبين الاثنين، تتشكل صورة لرجل يحاول التموضع داخل بيئة معقدة دون الانزلاق إلى خطاب المواجهة المباشرة.
خامساً: صراع الروايات… من يحدد الحقيقة؟
ما يكشفه هذا المشهد هو أن العراق لا يعيش فقط صراعاً أمنياً، بل صراعاً على الرواية:
هل الفصائل مسؤولة عن كل الاستهدافات؟
أم أن هناك جهات تعمل على خلط الأوراق؟
وهل يتم توظيف بعض العمليات لإعادة رسم مواقف دولية؟
في هذا السياق، يصبح “الطرف الثالث” ليس مجرد احتمال، بل أداة مركزية في إدارة الغموض.
سادساً: البعد الاستراتيجي لحديث مؤنس
حديث مؤنس يحمل رسائل متعددة:
للداخل: التأكيد على رفض الفوضى وتبني منطق الدولة
للخارج: نفي استهداف البعثات الدبلوماسية الأوروبية
للخصوم: الإشارة إلى وجود لاعب خفي يدير جزءاً من المشهد
وهذا يعكس إدراكاً بأن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في كيفية تفسير ما يحدث.
خلاصة تحليلية
ما قدّمه حسين مؤنس في حديثه الأخير يتجاوز حدود التصريح السياسي، ليصل إلى مستوى “إعادة تعريف المشهد الأمني”.
فهو لا ينفي فقط، بل يعيد توزيع الأدوار، ويطرح سؤالاً أخطر من الاتهام نفسه:
من يدير هذا التصعيد؟
وبين هذا الطرح، ورسالة عمر الشاهر التي تعيد قراءة شخصية مؤنس، يتضح أن العراق يقف أمام معادلة معقدة:
حرب غير معلنة، فاعلون غير واضحين، وروايات متنافسة.
وفي مثل هذه البيئات، لا تكون الحقيقة غائبة… لكنها غالباً ليست في المكان الذي ينظر إليه الجميع.







