د. هبة السامرائي
ليست المبادئ كلماتٍ أنيقة تُقال في لحظات الحماس، ولا شعارات تُرفع حين يكون الطريق آمناً، بل هي ذلك الجوهر الخفي الذي يُعرّف الإنسان أمام نفسه قبل أن يعرّفه أمام الآخرين. هي البوصلة التي لا يراها أحد، لكنها وحدها القادرة على تحديد الاتجاه حين تختلط الطرق، وتضطرب المعايير، ويصبح الخطأ شائعاً إلى درجة يبدو معها طبيعياً.
كثيرون يتحدثون عن المبادئ، لكن قلة فقط تدرك معناها الحقيقي. فالمبدأ ليس موقفاً مؤقتاً، ولا رأياً قابلاً للتبديل وفق المصلحة أو المزاج، بل هو قاعدة داخلية ثابتة، يُبنى عليها السلوك والقرار والموقف. ولهذا قيل دائماً إن الإنسان لا يُختبر في الأوقات السهلة، بل حين يصبح الثبات على مبدئه مكلفاً.
والمشكلة الكبرى في زمننا الحالي ليست في غياب الحديث عن المبادئ، بل في الطريقة المشوهة التي أصبح يُفهم بها هذا المصطلح. إذ بات البعض يعتقد أن بإمكانه الاحتفاظ بجزء من مبادئه والتنازل عن الجزء الآخر، وكأن المبادئ أشياء منفصلة لا علاقة بينها. بينما الحقيقة أن المبادئ كالبناء الواحد؛ إذا تصدع أساس منه، تأثر ما فوقه كله ولو بدا متماسكاً ظاهرياً.
فالصدق مثلاً لا يتجزأ. لا يمكن لإنسان أن يطالب بالصدق من الآخرين بينما يبرر كذبه الخاص تحت مسميات مختلفة. والعدل لا يتجزأ أيضاً؛ فلا يكون الإنسان عادلاً مع من يحب وظالماً لمن يختلف معه ثم يدّعي تمسكه بمبدأ العدالة. وكذلك الاحترام، والأمانة، والوفاء، والكرامة… كلها منظومة مترابطة، إذا انهار جزء منها تسلل الخلل إلى بقية الأجزاء بصمت.
ولهذا فإن أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه هو أن يعتاد التنازل التدريجي عن مبادئه بحجة الظروف. لأن التنازل الأول لا يبقى وحيداً، بل يفتح الباب لما بعده، حتى يصل الإنسان في لحظة ما إلى نسخة لا تشبهه، ويكتشف متأخراً أنه لم يخسر موقفاً عابراً، بل خسر وضوحه الداخلي واحترامه لنفسه.
وفي خضم هذا الخلط، أصبح كثير من الناس لا يفرّقون بين المبادئ والقيم والأخلاق، رغم أن لكل منها معنى مختلفاً، وإن كانت جميعها تتكامل لتشكّل شخصية الإنسان.
فالمبادئ هي الأسس الثابتة التي يؤمن بها الإنسان ويعتبرها غير قابلة للمساومة، مثل العدل، والصدق، والحرية، والكرامة، والوفاء. هي القواعد الكبرى التي تحدد ما الذي يقبله الإنسان وما الذي يرفضه مهما تبدلت الظروف.
أما القيم، فهي المعاني التي يُعطيها الإنسان أهمية في حياته وتنعكس على أولوياته وطريقة تعامله مع الآخرين. فقد تكون الأسرة قيمة، أو الاحترام، أو العلم، أو الرحمة، أو النجاح. والقيم تختلف نسبياً بين شخص وآخر وبين مجتمع وآخر، لكنها تبقى المؤثر الأساسي في اختيارات الإنسان اليومية.
بينما الأخلاق هي السلوك العملي الظاهر الذي يترجم المبادئ والقيم إلى أفعال. فحين يساعد الإنسان محتاجاً، أو يلتزم بالأدب في حديثه، أو يحفظ الأمانة، أو يرحم الضعيف، فإن هذه الممارسات تُسمى أخلاقاً. ولذلك يمكن القول إن الأخلاق هي الصورة التي يرى الناس من خلالها ما يحمله الإنسان داخله من مبادئ وقيم.
والمشكلة أن بعض الناس يخلط بين هذه المفاهيم الثلاثة، فيظن أن حسن التعامل وحده يكفي ليكون صاحب مبادئ، أو أن الكلام عن القيم يغني عن الالتزام الأخلاقي الحقيقي. بينما الإنسان المتكامل هو من تتوافق عنده المبادئ مع القيم مع الأخلاق؛ فيؤمن بالشيء، ويقدّره داخلياً، ثم يترجمه سلوكاً في حياته.
إن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالانهيار حين تصبح المبادئ مرنة إلى درجة التلاشي، وحين تُختزل الأخلاق في المظاهر، وتتحول القيم إلى كلمات تُقال لا أفعال تُعاش. فالمبدأ الحقيقي لا يتغير بتغير الأشخاص، ولا يتبدل وفق المصالح، ولا يُستخدم انتقائياً.
ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان اليوم هو أن يعود لفهم نفسه أخلاقياً وإنسانياً، وأن يسأل ذاته بصدق هل ما أحمله مجرد كلمات جميلة؟ أم أنني مستعد للثبات عليها حين يصبح الثبات صعباً؟
لأن المبادئ الحقيقية لا تظهر في أوقات الراحة، بل في اللحظات التي يكون فيها التنازل أسهل من الصمود. وهناك فقط… يعرف الإنسان من يكون حقاً






