د. هبة السامرائي
من خلال سنوات عملي في مجال التعليم، وبوصفي مديرة لثانوية للبنات، مرّت أمامي الكثير من القصص والمواقف التي جعلتني أتأمل كثيراً في معنى النجاح الحقيقي، وفي الطريقة التي نرسم بها مستقبل أبنائنا وبناتنا.
وفي أحد الأيام، وبينما كنت أتحدث مع إحدى الطالبات المجتهدات بعد اقتراب انتهاء الامتحانات الوزارية، سألتها
(أي جامعة سترتادين بعد هذه المرحلة؟ وأي تخصص اخترتِ؟)
أجابتني بثقة (كلية الطب)
سألتها (هل هو حلمكِ ورغبتكِ؟)
سكتت للحظة، ثم قالت (لا، إنها رغبة أهلي، لكنني سأدرس لأجلهم، وسأحصل على الشهادة لأجلهم، وبعد أن أتخرج سأذهب لدراسة الصحافة… لأنني أريد أن أكون صحفية)
توقفت عند إجاباتها طويلاً، ليس لأن حلمها في الصحافة كان غريباً، ولا لأن دراسة الطب أمر لا يستحق، بل لأنني رأيت أمامي مثالاً حقيقياً لفجوة قد يصنعها الإنسان بين ما يفعله وما يشعر به، بين الطريق الذي يسير فيه والطريق الذي ينتمي إليه قلبه.
وهنا بدأت أتساءل كم من الأشخاص في حياتنا وصلوا إلى أماكن ناجحة في نظر الآخرين، لكنهم لم يصلوا إلى المكان الذي يشبههم؟
إن أقصى أنواع الاستثمار في الحياة لا يبدأ بالمال، ولا بالمكانة، ولا حتى بالشهادات، بل يبدأ من الإنسان نفسه، من اكتشافه لذاته، ومن وضعه في المكان الذي تتلاقى فيه قدراته مع شغفه.
وأرى أن أعلى درجات الاستثمار الحقيقي تظهر عندما تتطابق ثلاثة جوانب أساسية في حياة الإنسان ..
أن يكون تخصصه هو نفسه مجال عمله، وأن يكون مجال عمله هو نفسه مجال تطوعه وخدمته.
فعندما يدرس الإنسان شيئاً يحبه، ثم يعمل فيه، ثم يمنح جزءاً من وقته وجهده لخدمة هذا المجال، يصبح ما يفعله ليس مجرد وظيفة، بل يصبح امتداداً لشخصيته وفكره ووجوده.
هناك فرق كبير بين إنسان يؤدي عملاً لأنه مضطر إليه، وإنسان ينهض كل صباح لأنه يشعر أنه في المكان الذي خُلق له.
وهناك قاعدة بسيطة – سمعتها من دكتور طارق سويدان في دورة اقامها في بغداد وكنت حينها أول الحاضرين – تختصر هذا المعنى كله ..
(إذا عمل الإنسان فيما يُحسن سينجح، لكن إذا عمل الإنسان فيما يحب سيبدع)
فالإنسان حين يعمل فيما يُجيده قد يصل إلى النجاح، لأنه يمتلك المهارة والكفاءة، لكن حين يعمل فيما يحبه فإنه يبدأ رحلة مختلفة؛ رحلة البحث، والتعلم، والتطور، والإبداع. لأن الحب تجاه العمل يمنح الإنسان طاقة لا تمنحها القوانين ولا الظروف.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة لا يحدث فجأة عند عمر متقدم، بل يبدأ منذ سنوات المراهقة. هنا تكمن مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع.
المراهق أو الشاب في هذه المرحلة لا يحتاج فقط إلى أن نسأله (ما التخصص الذي ستختاره؟) بل يحتاج إلى أن نساعده على اكتشاف نفسه قبل أن نطلب منه اختيار مستقبله.
علينا أن نراقب ميوله، وفضوله، والأشياء التي يستمتع بالبحث عنها، والمجالات التي يبدع فيها دون أن يشعر بالتعب. فبعض الأبناء قد تظهر موهبتهم في الكتابة، أو الحوار، أو التحليل، أو حل المشكلات، أو القيادة، أو الابتكار، لكنهم قد يتركون هذه القدرات لأن المجتمع رسم لهم صورة معينة للنجاح.
فالنجاح ليس قالباً واحداً، وليس كل إنسان ناجحاً يجب أن يسير في الطريق نفسه.
إن اختيار التخصص الجامعي لا ينبغي أن يكون قراراً عاطفياً فقط، ولا قراراً مبنياً على رغبات الآخرين فقط، بل يحتاج إلى وعي وتوازن بين عدة مقاييس.
أولها ..رغبة الإنسان الحقيقية.
هل يستطيع أن يتخيل نفسه في هذا المجال سنوات طويلة؟ هل يشعر بالفضول تجاهه؟ هل يحب التعلم فيه حتى خارج إطار الدراسة؟ لأن الإنسان لا يستطيع أن يبدع في مجال لا يشعر بالانتماء إليه.
وثانيها ..واقع الفرص المتاحة.
فالشغف مهم، لكنه يحتاج إلى رؤية واقعية. يجب أن يعرف الشاب طبيعة سوق العمل في بلده، ومدى توفر الفرص، وكيف يمكنه أن يحول تخصصه إلى مشروع أو مسار مهني حقيقي.
وثالثها ..قوة المنافسة.
فوجود عدد كبير من الأشخاص في مجال معين لا يعني الابتعاد عنه دائماً، لكنه يعني أن الإنسان يحتاج إلى أن يكون مختلفاً فيه. إذا كان المجال مزدحماً، فالسؤال ليس (هل أتركه؟) بل (كيف أكون متميزاً فيه؟)
العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى أصحاب الشهادات، بل يحتاج إلى أصحاب الأفكار. فالشهادة تفتح الباب، لكن الإبداع هو الذي يجعل الإنسان يبقى في المقدمة.
قد يدرس آلاف الأشخاص التخصص نفسه، لكن القليل منهم يضيفون شيئاً جديداً. القليل منهم يبحثون عن طريقة مختلفة، أو فكرة مبتكرة، أو خدمة تجعلهم متفردين.
ولهذا فإن توجيه الأبناء لا يجب أن يكون نحو (ما هو مشهور؟) بل نحو (ما الذي يناسبني؟ وما الذي أستطيع أن أضيف فيه؟)
فالطبيب الذي يحب الطب لا يكون مجرد طبيب، بل قد يكون باحثاً أو مطوراً أو إنساناً يغير حياة الآخرين. والمعلم الذي يحب التعليم لا يكون مجرد موظف، بل قد يكون صانع أجيال. والكاتب الذي يحب الكلمة لا يكون مجرد شخص يكتب، بل قد يكون صاحب أثر يبقى.
إن أعظم استثمار يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها ليس أن تختار لهم الطريق، بل أن تساعدهم على رؤية الطريق الذي يشبههم.
فكم من حلم دُفن لأن صاحبه اختار ما يرضي الآخرين؟ وكم من موهبة ضعفت لأنها لم تجد من يلاحظها؟ وكم من إنسان عاش سنوات طويلة في مكان لا يشبهه فقط لأنه ظن أن النجاح هو أن يصل إلى المكان الذي اختاره له غيره؟
الحياة ليست فقط أن نصل… بل أن نصل إلى المكان الصحيح.
فالإنسان حين يتطابق تخصصه مع عمله، وعمله مع شغفه، وشغفه مع عطائه للآخرين، يكون قد حقق أعلى درجات الاستثمار في حياته؛ لأنه لم يستثمر وقته فقط، بل استثمر نفسه.
وأجمل ما يمكن أن نهديه لأبنائنا ليس إجابة جاهزة عن مستقبلهم، بل القدرة على اكتشاف أنفسهم… لأن الإنسان حين يعرف من هو، يعرف إلى أين يذهب…







