حرية
عاد ملف “خدمة العلم” (التجنيد الإلزامي) إلى واجهة الجدل في العراق، بعد أن أنهى مجلس النواب العراقي القراءة الأولى لمقترح القانون، وسط انقسام حاد بين مؤيدين يرونه ضرورة أمنية، ومعارضين يعتبرونه عبئاً مالياً لا يواكب طبيعة الحروب الحديثة.
تقدم تشريعي أولي
وجّه رئيس المجلس هيبت الحلبوسي باستضافة الجهات المعنية، بينها وزارات الدفاع والتخطيط والمالية ورئاسة أركان الجيش، لمناقشة ملاحظاتها بشأن المشروع، الذي ينظم إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي من حيث الفئات المشمولة، مدد الخدمة، وآليات الإعفاء والتأجيل والاحتياط.
وأكد الحلبوسي أن القانون “لا يهدف إلى عسكرة المجتمع”، بل إلى تعزيز الانتماء الوطني لدى الشباب.
رؤية أمنية: ضرورة تعبئة شاملة
يرى خبراء أمنيون أن الخدمة الإلزامية تمثل جزءاً من منظومة التعبئة العامة، وتتطلب بنية مؤسساتية واسعة تشمل مديريات تجنيد في المحافظات، ومنشآت تدريبية، وكوادر بشرية كبيرة.
ويشير هؤلاء إلى أن الخدمة في زمن السلم تشمل الفئة العمرية من 18 إلى 45 عاماً، مع إمكانية استدعاء الاحتياط، فيما تتحول إلى تعبئة مفتوحة في أوقات الحرب، معتبرين أن التجنيد “واجب وطني” لا يخضع للاختيار.
اعتراضات اقتصادية وتكنولوجية
في المقابل، يواجه المشروع اعتراضات نيابية وخبراتية، إذ حذّر معارضون من كلفته المالية العالية، في ظل ضغوط الموازنة وارتفاع أعداد الموظفين.
ويرى منتقدون أن طبيعة الحروب تغيّرت، وأصبحت تعتمد على التكنولوجيا، مثل الأمن السيبراني والحروب النفسية، ما يتطلب الاستثمار في الكفاءات الرقمية بدلاً من التوسع في التجنيد التقليدي.
كما أظهرت وثائق برلمانية وجود تحركات لجمع تواقيع نيابية تطالب بسحب المشروع أو تأجيله إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة وتقييم احتياجات وزارة الدفاع العراقية.
تحفظات سياسية واتجاه نحو الرفض
داخل البرلمان، تشير مواقف عدد من النواب إلى وجود امتعاض واسع من المضي بالقانون في الوقت الحالي، مع اتجاه غالب نحو التركيز على تطوير القدرات التكنولوجية بدلاً من زيادة الموارد البشرية، خاصة في ظل ما يوصف بـ“الترهل الوظيفي”.
ويؤكد أعضاء في لجنة الأمن والدفاع أن القراءة الأولى لا تعني الإقرار، إذ لا يزال المشروع بحاجة إلى قراءة ثانية وتصويت نهائي.
دعم مقابل: بناء الدولة وتعزيز الهوية
في المقابل، يرى مؤيدون أن “خدمة العلم” تمثل فرصة لتعزيز الانضباط الوطني، وبناء جيل أكثر التزاماً، فضلاً عن دورها في تقوية الجيش وتقليل البطالة ودمج مكونات المجتمع ضمن إطار مؤسسي واحد.
ويعتبر هؤلاء أن التطبيق المدروس للقانون يمكن أن يشكل ركيزة لتعزيز الاستقرار وبناء دولة أكثر تماسكاً.
ملف مؤجل منذ 2003
يُذكر أن ملف التجنيد الإلزامي في العراق طُرح مراراً منذ عام 2003، لكنه لم ينجح حتى الآن في اجتياز المسار التشريعي الكامل، ما يعكس حساسية التوازن بين متطلبات الأمن والواقع الاقتصادي والاجتماعي.
وبين دعوات الإحياء وتحذيرات الكلفة، يبقى مصير “خدمة العلم” معلقاً على قدرة صناع القرار على التوفيق بين منطق الدولة الأمنية ومتطلبات العصر الرقمي.







