أحمد الحمداني
في بيروت لا تحتاج إلى وقت طويل لتكتشف أن هذه المدينة ترفض الاستسلام فرغم الأزمة الاقتصادية الخانقة ورغم الغلاء الفاحش الذي أثقل كاهل الناس ورغم أن آثار الحرب والضربات ما زالت محفورة على بعض الجدران وفي الذاكرة إلا أن هناك شيئاً لا تستطيع الأزمات أن تنتزعه من اللبنانيين… حب الحياة.
وأنا أسير على كورنيش الروشة، لفتت انتباهي سيدة تجاوز عمرها الثمانين عاماً كانت ترتدي ملابس السباحة وتمشي بثقة إلى جانب زوجها يبتسمان يمارسان الرياضة وكأن العمر مجرد رقم وكأن التجاعيد ليست سوى شهادة على حياة عاشت تفاصيلها كاملة لا سبباً للاختباء منها في تلك اللحظة شعرت أن هذه السيدة لم تكن تمشي على الشاطئ فقط، بل كانت توجه رسالة لكل من أنهكته الحياة لا تجعل العمر يهزمك ولا تسمح للأزمات أن تسرق منك حقك في الفرح و لبنان الأناقة ليست ترفاً بل ثقافة والابتسامة ليست دليلاً على غياب الألم بل إعلان انتصار عليه هنا يعيش الناس وكأنهم يقولون للحياة كل صباح قد تهزمين اقتصادنا لكنك لن تهزمي روحنا ربما لهذا بقي لبنان رغم كل ما مر به بلداً لا يشبه غيره بلد يجتمع فيه البحر مع الجبل وتلتقي الكنائس مع المساجد وتتعايش الطوائف والثقافات رغم كل العواصف السياسية التي حاولت تمزيقه نعم السياسة كثيراً ما كانت سبباً في أزماته حين تحولت الخلافات إلى صراعات والمصالح إلى انقسامات، ودفع المواطن البسيط الثمن من أمنه ولقمة عيشه ولكن الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها أن الشعوب أكبر من خلافات السياسيين وما يحفظ الأوطان ليس صخب الخطابات بل قدرة الناس على التمسك بالحياة والعمل والأمل وأنا أتأمل هذا المشهد، لم أستطع إلا أن أتذكر العراق نعم العراق ولبنان يشبه أحدهما الآخر أكثر مما يظن الكثيرون كلاهما فسيفساء جميلة تتعدد فيها الأديان والطوائف والقوميات والثقافات وكلاهما يمتلك تاريخاً وحضارة وإنساناً يعشق الحياة مهما اشتدت المحن ان العراق يحتاج أن يحافظ على فسيفسائه كما يحافظ على دجلة والفرات ويحافظ على بناء الانسان ولبنان يحتاج أن يحافظ على تنوعه كما يحافظ على أرزه وجباله وبحره فالأوطان لا تبنى بلون واحد وإنما بجمال اختلافها ووحدة أبنائها.
ويبقى للجبل سحر لا يوصف تقف على قممه فتشاهد البحر يعانق السماء وتشعر أن هذا البلد خلق ليكون لوحة لا ساحة حرب ومنارة ثقافة لا ميدان صراع.
ستبقى بيروت مدينة تكتب رسائل الأمل رغم الألم وسيبقى لبنان وطناً ينهض كلما ظن العالم أنه سقط.
عاش لبنان… وعاش العراق، وطنين جمعتهما الحضارة وفرقتهما السياسة وسيجمعهما دائماً حب الحياة.







