حرية
لا تمثل دعوة شركات السيارات الأوروبية الكبرى مجرد مطلب تنظيمي يتعلق بمنشأ المنتجات، بل تعكس تحولاً استراتيجياً أوسع في التفكير الاقتصادي الأوروبي. فبعد عقود من الاعتماد على العولمة وسلاسل التوريد العابرة للحدود، تجد أوروبا نفسها اليوم أمام تحدٍ وجودي يتعلق بمستقبل أحد أهم قطاعاتها الصناعية.
ويُعد قطاع السيارات أحد أعمدة الاقتصاد الأوروبي، إذ يوفر ملايين الوظائف ويسهم بنسبة كبيرة من الصادرات الصناعية. إلا أن هذا القطاع يواجه ضغوطاً متزايدة من ثلاثة اتجاهات رئيسية: المنافسة الصينية المتسارعة، والدعم الحكومي الأمريكي للصناعات الخضراء، وارتفاع تكاليف الإنتاج داخل أوروبا.
الصين.. التهديد الأكبر
تدرك الشركات الأوروبية أن المنافسة لم تعد تقتصر على الجودة أو العلامة التجارية، بل أصبحت مرتبطة بالكلفة وسرعة التطور التكنولوجي. فالشركات الصينية استطاعت خلال سنوات قليلة بناء منظومة متكاملة لإنتاج السيارات الكهربائية والبطاريات، مستفيدة من الدعم الحكومي وسلاسل التوريد المحلية منخفضة التكلفة.
ومع توسع الشركات الصينية في الأسواق الأوروبية، تخشى المصانع الأوروبية من فقدان حصص سوقية متزايدة، خصوصاً في فئة السيارات الكهربائية منخفضة ومتوسطة السعر، وهي الفئة الأكثر نمواً في السنوات المقبلة.
المنافسة الأمريكية تضيف ضغوطاً جديدة
في المقابل، أدى قانون خفض التضخم الأمريكي (IRA) إلى جذب استثمارات صناعية ضخمة نحو الولايات المتحدة عبر حوافز مالية وإعفاءات ضريبية سخية للشركات المنتجة محلياً. ونتيجة لذلك، باتت أوروبا تخشى انتقال جزء من استثماراتها الصناعية إلى السوق الأمريكية الأكثر دعماً.
ومن هنا، يمكن فهم مطالب شركات السيارات باعتبارها محاولة للحصول على سياسة صناعية أوروبية مشابهة لما تطبقه واشنطن وبكين، بحيث لا تبقى الشركات الأوروبية في مواجهة منافسين يحصلون على دعم حكومي أكبر.
إعادة رسم سلاسل التوريد
المقترح الخاص بنسبة 70% من القيمة المضافة الأوروبية يهدف عملياً إلى إعادة توطين مراحل الإنتاج داخل الاتحاد الأوروبي، بما يشمل تطوير البطاريات والرقائق الإلكترونية والبرمجيات وعمليات التصنيع المتقدمة.
ويعكس ذلك توجهاً أوروبياً متنامياً نحو تعزيز “الأمن الاقتصادي” وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، خاصة بعد الأزمات التي كشفت هشاشة سلاسل التوريد العالمية خلال جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.
بين حماية الصناعة وارتفاع الأسعار
ورغم الفوائد المحتملة لهذه السياسات على مستوى الوظائف والاستثمارات المحلية، فإنها تحمل مخاطر اقتصادية أيضاً. فزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي الأعلى كلفة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار السيارات، ما قد يبطئ عملية التحول نحو المركبات الكهربائية ويؤثر على القدرة الشرائية للمستهلك الأوروبي.
كما أن فرض معايير منشأ أكثر تشدداً قد يثير خلافات تجارية مع شركاء الاتحاد الأوروبي، خصوصاً الصين التي قد تنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها شكلاً غير مباشر من أشكال الحماية التجارية.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟
إذا تبنى الاتحاد الأوروبي قاعدة “صُنع في أوروبا”، فإن العالم قد يشهد مرحلة جديدة من التكتلات الصناعية الإقليمية، حيث تسعى الاقتصادات الكبرى إلى حماية صناعاتها الاستراتيجية وإعادة بناء سلاسل إنتاجها داخل حدودها أو ضمن مناطق نفوذها الاقتصادية.
وفي هذه الحالة، لن تكون المنافسة المقبلة بين شركات السيارات فقط، بل بين نماذج اقتصادية متكاملة: النموذج الأمريكي المدعوم بالحوافز، والنموذج الصيني القائم على التصنيع واسع النطاق، والنموذج الأوروبي الذي يحاول اليوم إيجاد توازن بين الانفتاح التجاري والسيادة الصناعية.
تكشف مطالب شركات السيارات الأوروبية أن القارة لم تعد تنظر إلى قطاع السيارات بوصفه نشاطاً اقتصادياً فحسب، بل باعتباره قضية أمن اقتصادي واستراتيجي. ومع احتدام المنافسة العالمية على التكنولوجيا والبطاريات والطاقة النظيفة، يبدو أن أوروبا تتجه تدريجياً نحو تبني سياسات صناعية أكثر تدخلاً لحماية صناعاتها الحيوية، حتى وإن كان ذلك على حساب بعض مبادئ السوق الحرة التي طالما دافعت عنها.






