بغداد – وكالة حرية
لم يكن استبعاد لبنان من هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران تفصيلًا عابرًا، ولا سوء فهم دبلوماسيًا، بل كان إشارة صريحة إلى أن ما جرى هو تجميد لجبهة إيران من أجل ترتيب المصالح الكبرى، مع إبقاء الجبهة اللبنانية مفتوحة بوصفها ساحة استنزاف مستقلة تخدم الحسابات الإسرائيلية المباشرة.
فبينما أُعلن عن هدنة هشة بين واشنطن وطهران، سارعت إسرائيل إلى تأكيد أن هذه الهدنة لا تشمل لبنان، وأن عملياتها ضد حزب الله ستتواصل كما أن الحكومة اللبنانية نفسها قالت إنها لم تُبلَّغ رسميًا بتفاصيل الاتفاق ولم تكن طرفًا فيه.
ميدانيًا، بدا المشهد أكثر قسوة حزب الله أوقف هجماته أو خفّضها انسجامًا مع مناخ الهدنة، لكن إسرائيل واصلت ضرباتها في لبنان، بما في ذلك مناطق مثل صيدا وصور، وسط سقوط ضحايا مدنيين واستمرار النزوح. هذا يعني عمليًا أن طرفًا واحدًا خفف النار، فيما الطرف الآخر استثمر الهدنة لتكريس تفوقه الناري وتثبيت واقع ميداني جديد.
لماذا لم تشمل الهدنة لبنان؟
الجواب الأوضح هو أن واشنطن تفاوضت على ما يهمها أولًا خفض خطر الانفجار المباشر مع إيران، إعادة فتح مضيق هرمز، وتهيئة الأرض لمفاوضات مقررة في إسلام آباد يوم 10 أبريل.
أما لبنان، فلم يكن في صلب الصفقة، لأنه لا يمثل في العقل الأمريكي أولوية مساوية لهرمز والطاقة وكلفة الحرب المباشرة مع إيران لهذا جاءت الهدنة محكومة بمنطق “تجميد المركز وترك الأطراف تحترق”.
أما إسرائيليًا، فاستبعاد لبنان لم يكن فقط قرارًا عسكريًا، بل جزءًا من تصور أوسع تل أبيب تريد أن تفصل بين الحرب على إيران بوصفها ملفًا دوليًا، والحرب على لبنان بوصفها فرصة لإعادة هندسة الشمال بالقوة. رويترز نقلت أن إسرائيل تمضي باتجاه هدف إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني هذه ليست عملية ردع مؤقتة، إنها ملامح مشروع توسع أمني-ميداني يفرض وقائع جديدة على الأرض تحت غطاء الحرب.
المفارقة الأكثر مرارة أن لبنان دخل المعركة أصلًا بوصفه جبهة إسناد لإيران عبر حزب الله، لكن عندما جاءت لحظة الصفقة، ذهبت الأولوية لإيران نفسها ولم يذهب معها لبنان هذا يكشف قاعدة قاسية في حروب الوكالة الجبهات المساندة تُستخدم في لحظة التصعيد، لكنها ليست بالضرورة جزءًا مضمونًا من التسويات ما حدث يثبت أن لبنان استُخدم كساحة ضغط ناري، لا كشريك تفاوضي محفوظ الحقوق وهذه ليست قراءة عاطفية، بل استنتاج مباشر من كون بيروت لم تكن على الطاولة أصلًا، ومن استمرار القصف رغم إعلان التهدئة.
الذي يجري أبعد من مجرد معاقبة حزب الله، إسرائيل تتصرف وفق مبدأ استراتيجي قديم-جديد كل هدنة إقليمية يجب أن تتحول إلى نافذة لإعادة ترتيب الجبهات المحيطة بها لذلك، بدل أن تكون هدنة الأسبوعين بابًا لحماية لبنان، تحولت إلى مظلة زمنية لإكمال الضغط العسكري عليه، حين تُستثنى جبهة بعينها من التهدئة، فهذا يعني أن هناك هدفًا لم يكتمل بعد وفي الحالة اللبنانية، الهدف الظاهر هو إبعاد التهديد شمالًا، والهدف الأعمق هو فرض شريط أمني بالنار والتهجير والضغط المستمر.
أما “سكوت العالم العربي” فليس صمتًا كاملًا في الكلام، بل صمتٌ في الفعل
بعض المواقف العربية رحبت بالهدنة ودعت إلى مفاوضات جادة، كما فعلت مصر، وأسواق الخليج قفزت فور الإعلان عن الاتفاق بسبب الارتياح المرتبط بهرمز والطاقة.
هذا يعني أن الأولوية العربية الرسمية ذهبت إلى احتواء الخطر الإقليمي الكبير واستقرار الأسواق، لا إلى فرض إدراج لبنان ضمن التهدئة بآلية ضغط حقيقية. بتعبير أدق لم يكن هناك صمت دبلوماسي تام، لكن كان هناك غياب واضح لأدوات الردع السياسي والاقتصادي والإقليمي الكفيلة بمنع تحويل لبنان إلى الاستثناء المباح.
الذي حدث ليس خللًا في نص الهدنة، بل فضيحة في ميزان القوى إيران نالت هدنة مؤقتة لأنها طرف تفاوضي ثقيل، والولايات المتحدة نالت هرمز، وإسرائيل نالت حق مواصلة النار في لبنان، فيما تُرك اللبنانيون بين قصف مستمر والتباس سياسي وعجز عربي عن فرض إدراجهم في أي تسوية.







