رفيق خوري
ليس في العودة أو اللاعودة إلى مفاوضات إسلام آباد بين أميركا وإيران سوى لعبة تشاطر في وضع خطر: حرب لم تكتمل وتسوية لم تنضج. حرب على حافة التفاوض، ومفاوضات على حافة الحرب. شيء من ممارسة قول كلارزفيتنز إن “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، وشيء من التصرف على أساس أن المفاوضات هي استمرار على الطاولة للحرب في الميدان.
ولا أحد يحارب ويفاوض في تلفزيون الواقع على طريقة الرئيس دونالد ترمب. فهو يحارب بأقوى الأسلحة من أجل شيء لا تحتاج إليه قوة عظمى هو “كسر الجمود في عملية السلام”، ويثرثر حول خطط القتال ويوحي في وقت واحد أن القتال طويل وأنه سيتوقف قريباً. وهو يفاوض طارحاً في العلن خارج قاعة المفاوضات مطالب متناقضة بين ساعة وأخرى. وهذا ما يسميه تضليل الطرف الآخر لكنه عملياً وضع أصدقاءه والناس في حال اللايقين بالنسبة إلى أي شيء. ولم يسبق لأي رئيس أميركي أو غير أميركي قبل ترمب شن هجوم شخصي فظ على البابا لاوون الرابع عشر الداعي إلى السلام.
ذلك أن المشكلة حول المفاوضات هي إعلان كل طرف أنه منتصر، وبالتالي السعي لتحقيق حسم استراتيجي وسياسي في حرب لم تشهد حسماً عسكرياً. والمشكلة في المفاوضات هي رغبة كل طرف في الحصول على مكاسب تعني ترجمتها اعتراف الآخر بالهزيمة التي ليس بعدها سوى السقوط. سقوط نظام الملالي كما أراد ترمب وبنيامين نتنياهو من البداية، أو سقوط سياسة ترمب وشعبيته وحزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس، وبالتالي تعطيل ولايته، وسقوط نتنياهو حتى قبل الانتخابات النيابية في الخريف.
في كتاب “استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي” يقول ولي نصر إن “الرؤية الاستراتيجية لإيران ارتبطت بنشر الأيديولوجيا الإسلامية بأقل مما ارتبطت بالأمن القومي في العداءات الإقليمية، وهذه أهداف علمانية لطبيعتها”. وبعد حرب الـ 12 يوماً كتبت سوزان مالوني من “بروكينغز” مقالاً نشرته “فورين أفيرز” تحت عنوان “يأس إيران الخطر” قالت فيه “إن إيران تبقى في حالتها الحاضرة لاعباً خطراً ومصدراً قوياً لعدم الاستقرار، وإن أميركا وإسرائيل حصلتا على ثيوقراطية إسلامية عنيفة مع قنبلة نووية”. وهذا ما أراد ترمب ونتنياهو في الحرب الحالية تجريد إيران منه. كيف؟
المطالب الأميركية والإسرائيلية الأساسية التي على إيران التخلي عنها في المفاوضات أربعة، التوقف عن “نشر الثورة” والنفوذ الإقليمي وبدء التصرف كبلد عادي. التخلي عن التمويل والتسليح للفصائل الأيديولوجية المذهبية المرتبطة بالحرس الثوري في اليمن والعراق ولبنان، كذلك عن دعم “حماس والجهاد الإسلامي” في غزة والامتناع عن أية محاولة لاستعادة الدور في سوريا. إنهاء البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم في إيران. وتحديد كمية الصواريخ الباليستية ومداها.
والترجمة العملية لهذه المطالب هي نزع كل الأسلحة الاستراتيجية من يد إيران. الأسلحة الأيديولوجية التي لا معنى لها من دون “نشر الثورة” وبقاء النظام تحت سقف “الشرعية الإلهية” بصرف النظر عن “الشرعية الشعبية”. وأسلحة الأمن القومي التي تفقد دورها حتى في حماية النظام، إذا خسر مضيق هرمز والبرنامج النووي وأذرع الحرس الثوري في المنطقة، ولا سيما بعدما كشفت له الحرب أهمية استخدام مضيق هرمز وإنتاج القنبلة النووية كضمان للنظام. فما الفارق بين بقاء النظام وسقوطه في مثل هذه الحال؟
“حرب ما بعد الحرب أكثر صعوبة من الحرب”، بحسب المحلل الاستراتيجي الأميركي أنطوني كوردسمان. ونظام يفقد أسلحته الاستراتيجية وأساس شرعيته، ويعجز عن حماية شعبه وتقديم الخدمات له في وضع اقتصادي منهار وسياسي معزول حتى عن جيرانه العرب في الخليج والذين قصفهم بأكثر مما قصف إسرائيل بالصواريخ والمسيرات، هو مثل ثمرة ناضجة للسقوط أمام الحراك الشعبي. فالأنظمة تسقط بعد الحروب لا خلالها، لأن وطنية الشعوب تدفعها في مواجهة أي اعتداء خارجي إلى التضامن مع السلطة حماية للوطن. وليس أمراً عادياً ما كشفه دافيد برنيع رئيس “الموساد” الإسرائيلي بالقول إن “مهمة الجهاز في إيران لن تكتمل إلا عندما يجري إسقاط النظام”. وهذا نوع من “أمر اليوم” والعمل على تهيئة الظروف بعد نهاية الحرب لإسقاط النظام.
لكن الحرب لم تنته بعد. والمفاوضات لم تنته بعد. فالحرب جولات. والتفاوض الذي يعمل الوسيط الباكستاني مع أميركا وإيران لاستمراره حتى النجاح ليس اتفاقاً مفصلاً شاملاً بل “مفكرة تفاهم” مختصرة لإطار المواضيع التي تحتاج إلى بحث مفصل سياسي واقتصادي وعسكري وتقني. وكل بند في المفكرة يحتاج إلى تفاوض صعب على مدى يقدره المراقبون بالشهور وقد يحتاج إلى ما هو أكثر، وربما إلى جولة حرب أخرى. ومن باب المبالغة قول ترمب إن “الصفقة المعروضة على إيران بسيطة للغاية”. فهي بسيطة بمعنى تخلي طهران عن كل شي تقريباً. وهي بالغة التعقيد من وجهة النظر الإيرانية ومن الصعب قبولها حتى بعد إجراء تعديلات عليها.
وما يزيد تعقيد الأمور في التفاوض هو ما يقال من انقسام وخلافات داخل النظام. فالوضع الصحي الحقيقي للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي الذي لم يظهر بعد لا يزال من أسرار الآلهة. ومن الصعب حسم الأمور في غياب رأس النظام. والأصعب هو أن يتولى اتخاذ القرار سياسيون أقل تشدداً من سواهم. لأن اللعبة المألوفة في هذه الظروف هي أن يصبح قرار الحرب والسلم في أيدي الحرس الثوري. وقائد الحرس ليس قليل الطموح والتشدد الأيديولوجي.
وفي تعثر المفاوضات بعد هدنة حرب طاحنة تكبر فرصة معاودة الحرب تحت عنوان “إكمال المهمة”. والقرار على مسافة أيام.






