بغداد – وكالة حرية – أعداد فريق العمل – رغد زيد – معتز محمد
في مقابلة مطوّلة وصريحة مع وكالة حرية، قدّم رجل الأعمال والخبير الاقتصادي الدكتور محمد البغدادي قراءة معمّقة لواقع الاقتصاد العراقي، كاشفاً عن اختلالات بنيوية متراكمة تمتد من السياسة النقدية إلى بيئة الاستثمار، مروراً بأزمة الثقة في القطاع المصرفي، وغياب الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد، وصولاً إلى تحديات الفساد وضعف المؤسسات الرقابية.
البغدادي لم يكتفِ بتشخيص الأزمة، بل وضع إصبعه على مكامن الخلل الأساسية، مؤكداً أن العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي بين الاستمرار في الاقتصاد الريعي أو الانتقال إلى اقتصاد إنتاجي مستدام.
اقتصاد هش… ومشكلة اسمها عدم الاستقرار
• وكالة حرية: كيف تقيم الوضع الاقتصادي في العراق اليوم؟
• البغدادي: نحن أمام اقتصاد هش بكل ما تعنيه الكلمة اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على مورد واحد، وهو النفط، وهذا بحد ذاته مصدر خطورة لكن الأخطر من ذلك هو غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي، وعدم وجود رؤية واضحة للمستقبل.
المستثمر، سواء كان محلياً أو أجنبياً، يحتاج إلى بيئة مستقرة ليخطط، ليحسب المخاطر، ليقرر في العراق، كل شيء قابل للتغيرالقوانين، التعليمات، الضرائب، حتى البيئة الأمنية في بعض الأحيان هذا يجعل أي استثمار طويل الأمد أشبه بالمغامرة غير المحسوبة.
الاستثمار طويل الأمد… بين النظرية والواقع
• وكالة حرية: لماذا لا نرى صناعة حقيقية في العراق؟
• البغدادي: لأن الصناعة ببساطة ليست تجارة يومية، بل استثمار طويل الأمد عندما تضع أموالك في معمل أو مصنع، أنت لا تتوقع أرباحاً فورية، بل تحتاج إلى سنوات حتى تستعيد رأس المال وتبدأ بجني الأرباح.
السؤال هنا: هل يستطيع المستثمر أن يضمن استقرار البيئة الاقتصادية لخمس سنوات؟
الجواب: لا.
هل يستطيع أن يضمن ثبات الرسوم الجمركية؟
لا.
هل يستطيع أن يضمن عدم تغير القوانين؟
لا.
إذاً، كيف سيغامر بأمواله؟
السياحة العلاجية… كنز مهمل
• وكالة حرية: ماذا عن السياحة؟ هل يمكن أن تكون بديلاً؟
• البغدادي: بالتأكيد، بل هي من أهم البدائل. خذ مثال السياحة العلاجية والمنتجعات. دول مثل تركيا وتونس بنت جزءاً كبيراً من اقتصادها على هذا القطاع.
نحن في العراق لدينا مقومات طبيعية وتاريخية ودينية لا تقل أهمية، وربما تتفوق، لكن المشكلة في غياب الرؤية والتخطيط.
سأعطيك مثالاً واضحاً: كنيسة الكوخة في بغداد، تُعد من أقدم الكنائس في التاريخ المسيحي. في أي دولة أخرى، هذا الموقع سيكون مركز جذب عالمي، لكن عندنا هو مهمل، بل في حالة يرثى لها.
كم لدينا من “كنيسة كوخة” في العراق؟ عشرات، وربما مئات، لكنها غير مستثمرة.
السياسة النقدية… فوضى تاريخية مستمرة
• وكالة حرية: كيف تصف السياسة النقدية؟
• البغدادي: بصراحة، هي فوضى، وهذه الفوضى ليست وليدة اليوم. بدأت منذ التسعينيات، أيام الحصار، واستمرت بتراكمات إلى اليوم.
لدينا كتلة نقدية ضخمة خارج النظام المصرفي، وهذا بحد ذاته مؤشر خطير. الأموال لا تمر عبر القنوات الرسمية، وهذا يضعف قدرة الدولة على التحكم بالاقتصاد.
أزمة ثقة… المصارف في دائرة الاتهام
• وكالة حرية: هل المشكلة في المواطن أم المصارف؟
• البغدادي: المشكلة مشتركة، لكن الأساس هو الثقة. المواطن لا يثق بالمصرف، وأحياناً هذا عدم الثقة مبرر.
عندما يضع المواطن أمواله في البنك، ثم لا يستطيع سحبها بسهولة، أو يُقال له “لا توجد سيولة”، ماذا تتوقع منه؟ طبيعي أن يحتفظ بأمواله خارج النظام المصرفي.
وهنا نعود إلى نقطة مهمة: البنك المركزي يجب أن يكون أكثر حزماً يجب أن تكون هناك رقابة حقيقية وعقوبات رادعة.
نماذج ناجحة… حين تكون الشراكة صحيحة
• وكالة حرية: هل هناك تجارب ناجحة؟
• البغدادي: نعم، هناك تجارب ناجحة، خاصة عندما تكون هناك شراكات قوية نحن في مصرف المنصور دخلنا بشراكة مع QNB Group، وهي مؤسسة مصرفية عالمية.
هذه الشراكة أعطت المصرف قوة، ثقة، التزام بالمعايير الدولية العمل المصرفي يعتمد على السمعة، وإذا فقدت السمعة انتهى كل شيء.
بيئة استثمار مزدوجة… أرباح مقابل مخاطر
• وكالة حرية: هل العراق بيئة جاذبة؟
• البغدادي: هو ليس طارداً بالكامل ولا جاذباً بالكامل. هو بيئة مزدوجة.
من جهة، العراق بلد فارغ من حيث الصناعة والسياحة والفنادق، وهذا يعني فرص ضخمة وأرباح عالية جداً.
من جهة أخرى، هناك فساد، ابتزاز، تعقيدات إدارية هذه الأمور تجعل المستثمر يفكر ألف مرة قبل الدخول.
الفساد… معادلة الربح والخطر
• وكالة حرية: كيف يتعامل المستثمر مع الفساد؟
• البغدادي: بعض المستثمرين يقبل به كجزء من التكاليف، خصوصاً من دول معينة لكن المستثمر الأوروبي مثلاً يرفض ذلك تماماً.
وهنا نخسر نوعية مهمة من الاستثمار، وهو الاستثمار النوعي طويل الأمد.
الدين التجاري… أزمة صامتة
• وكالة حرية: ما أبرز مشاكل السوق؟
• البغدادي: البيع بالدين هذه مشكلة كبيرة السوق اليوم قائم على البيع الآجل، وهذا يقتل السيولة.
أنا شخصياً أوقفت الاستيراد بسبب هذه المشكلة، واتجهت إلى الخدمات، لأنها لا تعتمد على الاجل.
الخدمات والإعلام… البديل الواقعي
• وكالة حرية: هل هذا توجه عام؟
• البغدادي: نعم، حالياً الخدمات والإعلام هي القطاعات الأكثر مرونة لا تحتاج إلى رأس مال ضخم ولا إلى استقرار طويل الأمد مثل الصناعة.
اقتصاد بلا هوية واضحة
• وكالة حرية: كيف تصف النظام الاقتصادي؟
• البغدادي: اقتصاد بلا هوية لا هو رأسمالي واضح ولا اشتراكي هو خليط غير متجانس.
هذا الغموض ينعكس على السياسات، وعلى قرارات المستثمرين.
الفساد… بلا ردع حقيقي
• وكالة حرية: كيف يمكن معالجته؟
• البغدادي: بالعقوبات العلنية نحن بحاجة إلى محاكمات تُعرض على التلفزيون المواطن يريد أن يرى الفاسد يُحاسب.
غياب الردع يعني استمرار الفساد.
التأقلم مع الواقع العراقي
• وكالة حرية: كيف تتعامل مع هذه البيئة؟
• البغدادي: يجب أن تتأقلم أنت ابن هذا البلد كما تقبل عائلتك، تقبل مجتمعك لكن التأقلم لا يعني الاستسلام، بل العمل ضمن الواقع ومحاولة تحسينه.
تجارب عملية… بين النجاح والفشل
• وكالة حرية: ماذا عن تجربتك الشخصية؟
• البغدادي: التجارة فيها ربح وخسارة نجحت في مجالات وفشلت في أخرى، خصوصاً المقاولات بسبب تعقيدات المشاريع الحكومية.
مشاريع رقابية… أفكار تصطدم بالواقع
• وكالة حرية: ماذا عن المركز الوطني للرقابة؟
• البغدادي: كانت فكرة مهمة لتقييم المؤسسات، لكنها فشلت بسبب غياب الصلاحيات والدعم.
رؤية أخيرة… العراق يحتاج قراراً
• وكالة حرية: ما الحل؟
• البغدادي: العراق لا تنقصه الموارد، بل الإدارة نحتاج استقرار، قرارات واضحة، دعم للقطاع الخاص، ومكافحة حقيقية للفساد.
خلاصة المقابلة
يرسم الدكتور محمد البغدادي مشهداً اقتصادياً معقداً:
فرص هائلة غير مستغلة
بيئة غير مستقرة
ثقة مصرفية مفقودة
فساد بلا ردع
ويبقى التحدي الحقيقي:
هل يتحول العراق من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج… أم تبقى الفرص مؤجلة؟







