حرية
وصل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في زيارة دولة تستمر حتى الاثنين، في محطة سياسية واقتصادية بارزة تبحث خلالها الرياض وباريس ملفات إقليمية ودولية، إلى جانب توسيع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مجالات الطاقة والدفاع والاستثمار والخدمات اللوجستية.
وأعلن الديوان الملكي السعودي أن الزيارة تتناول القضايا ذات الأهمية الإقليمية، وفي مقدمتها دعم الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، فضلاً عن تعزيز التعاون الاقتصادي والاستراتيجي بين الرياض وباريس.
ومن المقرر أن يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ولي العهد السعودي، الأحد والاثنين، فيما يلتقي رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، مساء الاثنين، في قصر الأنفاليد، حيث تقام مراسم استقبال رسمية.
الحرب الإقليمية تتصدر الأجندة
وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى الشرق الأوسط، إذ قالت مسؤولة في الرئاسة الفرنسية إن زيارة ولي العهد تعكس “ديناميكية العلاقات بين البلدين”، وتأتي في ظل استمرار الحرب مع إيران وعدم وضوح آفاق الخروج منها.
وبحسب المسؤولة، سيبحث ماكرون ومحمد بن سلمان الملفات الإقليمية، مع تركيز خاص على القضايا الأمنية، وفي مقدمتها الحرب مع إيران والجهود الرامية إلى إنهائها.
كما تتضمن المحادثات القضية الفلسطينية الإسرائيلية، قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلى جانب الملفين اللبناني والسوري، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وتكشف هذه الأجندة أن الرياض وباريس لا تنظران إلى العلاقات الثنائية بمعزل عن التحولات الإقليمية، بل تسعيان إلى تنسيق المواقف بشأن ملفات الأمن والطاقة ومسارات التجارة التي باتت تتأثر مباشرة بالتوترات العسكرية في المنطقة.
الطاقة واللوجستيات.. معركة تأمين البدائل
ومن أبرز الملفات التي ستتصدر المباحثات مسألة تنويع طرق الإمداد في قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة، في ظل اضطرابات طرق النقل التقليدية بسبب التصعيد العسكري.
وأشارت الرئاسة الفرنسية إلى أن باريس والرياض كثفتا تعاونهما منذ اندلاع الحرب مع إيران، ووضعتا آلية ثنائية للتعاون في مجال الربط بين الشرق الأوسط وأوروبا، خصوصاً في قطاعي الطاقة والخدمات اللوجستية.
ويمثل هذا المسار أهمية استراتيجية لفرنسا، التي تبحث عن ضمان تدفقات مستقرة للطاقة وسلاسل توريد أكثر تنوعاً، فيما تسعى السعودية إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للنقل والتجارة والطاقة ضمن مستهدفات التحول الاقتصادي.
مجلس الشراكة يدخل مرحلة جديدة
وعلى المستوى الثنائي، من المقرر أن يعقد الجانبان أول اجتماع موسع لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، تنفيذاً لما تم الاتفاق عليه خلال زيارة الدولة التي أجراها ماكرون إلى السعودية نهاية عام 2024.
كما يتضمن برنامج الزيارة اختتام أعمال منتدى الأعمال الفرنسي السعودي، ومناقشة ملفات الاقتصاد والدفاع والثقافة، بحضور مسؤولين ووزراء من البلدين.
ويرافق ولي العهد السعودي وفد وزاري واقتصادي كبير، في مؤشر على الأهمية التي توليها الرياض للزيارة، خصوصاً في ظل رغبتها في جذب استثمارات وخبرات فرنسية إلى مشاريعها الكبرى.
من رؤية 2030 إلى فرنسا 2030
اقتصادياً، تسعى باريس والرياض إلى تعميق التقاطع بين “رؤية السعودية 2030” وبرنامج “فرنسا 2030″، بهدف بناء شراكات في قطاعات تتجاوز الطاقة التقليدية إلى السياحة والثقافة والترفيه والألعاب الإلكترونية والصناعات المتقدمة.
ومن المقرر أن يجتمع عدد من كبار الرؤساء التنفيذيين الفرنسيين مع الوفد الاقتصادي السعودي لمناقشة فرص الاستثمار والمشاريع ذات الأولوية، إلى جانب دور صندوق الاستثمارات العامة السعودي في توسيع حضوره داخل فرنسا.
وأشارت الرئاسة الفرنسية إلى نية صندوق الاستثمارات العامة افتتاح مكتب له في باريس، معتبرة أن هذه الخطوة يمكن أن تفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات السعودية في الاقتصاد الفرنسي.
كما سيبحث الجانبان فرص مشاركة الشركات والخبرات الفرنسية في المشاريع السعودية الكبرى، بما فيها معرض “إكسبو 2030” المقرر تنظيمه في الرياض.
شراكة تتجاوز النفط
وتشير طبيعة الملفات المطروحة إلى أن العلاقات السعودية الفرنسية تتجه نحو مرحلة جديدة لا تقتصر على التعاون التقليدي في الطاقة والدفاع، بل تشمل الاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والثقافة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.
فالرياض تريد توظيف علاقاتها الدولية لتسريع التحول الاقتصادي الذي تقوده “رؤية 2030″، بينما ترى باريس في السعودية شريكاً اقتصادياً وسياسياً رئيسياً في منطقة تشهد إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى.
وفي ظل استمرار الاضطرابات الإقليمية، تبدو زيارة محمد بن سلمان إلى باريس أبعد من كونها زيارة بروتوكولية؛ فهي محاولة لبناء مظلة شراكة سعودية فرنسية أكثر اتساعاً، تجمع بين تنسيق المواقف السياسية وتأمين مسارات الطاقة والتجارة، وربط الاستثمارات بالمشاريع الكبرى التي ستعيد رسم الاقتصاد السعودي خلال السنوات المقبلة.







