حرية
تتجه الأنظار إلى قصر الإليزيه في باريس، الاثنين، مع الزيارة الرسمية التي يجريها ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، في ظل جدول أعمال واسع يجمع بين الملفات الإقليمية الساخنة وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وباريس.
ويستهل ولي العهد زيارته باستقبال رسمي في قصر الإليزيه، يعقبه اجتماع ثنائي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستمر نحو ساعة، قبل أن ينتقل الجانبان إلى الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودية ـ الفرنسية، الذي اتفق البلدان على تأسيسه خلال زيارة الدولة التي أجراها ماكرون إلى السعودية نهاية عام 2024.
وتكتسب اجتماعات المجلس أهمية خاصة باعتبارها أعلى إطار لاتخاذ القرارات المشتركة بين البلدين، سواء في الملفات الثنائية أو في القضايا الإقليمية والدولية، ما يجعل اجتماعه الأول محطة مهمة لإعادة رسم أولويات التعاون بين الرياض وباريس.
أمن الخليج ومضيق هرمز في صدارة المحادثات
ومن المتوقع أن يحتل التصعيد الإقليمي والحرب بين الولايات المتحدة وإيران موقعاً متقدماً في محادثات ماكرون ومحمد بن سلمان، خصوصاً في ظل التداعيات المرتبطة بأمن الخليج وحركة الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
وتنظر باريس إلى السعودية باعتبارها طرفاً محورياً في البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط إلى الأسواق العالمية، في حال استمرار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ملف من المقرر أن يحظى باجتماع خاص خلال الزيارة.
كما تبرز المبادرات السعودية الجديدة المتعلقة بأمن الملاحة، ولا سيما التحالف البحري الذي يهدف إلى حماية حركة السفن في البحر الأحمر وباب المندب، باعتبارها مجالاً محتملاً للتنسيق مع المبادرة الأوروبية «أسبيدس»، التي تشارك فيها فرنسا إلى جانب عدد من الدول الأوروبية لتأمين الملاحة التجارية في البحر الأحمر.
وتضم المبادرة السعودية 14 دولة، بينها باكستان وتركيا ومصر والكويت وقطر والأردن، الأمر الذي يمنحها بعداً إقليمياً أوسع ويجعل التنسيق بينها وبين الجهود الأوروبية موضوعاً مطروحاً على طاولة باريس.
لبنان وسوريا.. تنسيق سعودي فرنسي
لن تقتصر المحادثات على أمن الخليج، إذ يحضر الملفان اللبناني والسوري بقوة في أجندة الزيارة، في ظل ما تصفه باريس بوجود تنسيق وثيق مع الرياض بشأن مستقبل البلدين.
وفي لبنان، تؤكد فرنسا والسعودية دعمهما لتعزيز سيادة الدولة وتمكين مؤسساتها الأمنية والعسكرية من بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، فيما تستعد باريس لعقد اجتماع يركز على دعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية.
أما في الملف السوري، فتتشارك باريس والرياض رؤية تقوم على دعم استقرار سوريا وتعزيز قدرتها على أداء دور إقليمي، خصوصاً مع الأهمية الجغرافية التي تتمتع بها البلاد بالنسبة إلى طرق التجارة والطاقة التي يمكن أن تربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط.
القضية الفلسطينية تعود إلى الواجهة
كما يتوقع أن تكون القضية الفلسطينية حاضرة في المحادثات، في ظل استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوتر في الضفة الغربية، إلى جانب التوسع الاستيطاني الإسرائيلي وخطط فصل أجزاء من الضفة الغربية.
وتتطابق مواقف الرياض وباريس في ضرورة إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، خصوصاً بعد المبادرات المشتركة التي قادها البلدان في الأمم المتحدة لدفع مسار إقامة الدولة الفلسطينية وحشد الدعم الدولي لهذا الخيار.
من النفط إلى الذكاء الاصطناعي.. اقتصاد يتجاوز الطاقة
إلى جانب الملفات السياسية والأمنية، تحمل الزيارة أجندة اقتصادية واسعة، تشمل الطاقة والاستثمار والصحة والثقافة والرياضة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
وتسعى باريس إلى زيادة الاستثمارات السعودية داخل الاقتصاد الفرنسي، وفي المقابل توسيع حضور الشركات والاستثمارات الفرنسية في المشاريع السعودية الكبرى، مستفيدة من التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة في إطار خطط تنويع الاقتصاد.
ويمثل منتدى الأعمال السعودي ـ الفرنسي فرصة لعرض مشاريع جديدة وتعزيز الشراكات بين القطاع الخاص في البلدين، في وقت تعد فيه فرنسا من أبرز المستثمرين في السعودية.
تأتي زيارة محمد بن سلمان إلى باريس في توقيت يتجاوز بكثير إطار العلاقات الثنائية، إذ تبدو الرياض أمام محاولة لتثبيت موقعها كـقوة إقليمية قادرة على لعب أدوار سياسية وأمنية واقتصادية في مرحلة شديدة الاضطراب.
أما بالنسبة إلى فرنسا، فإن التقارب مع السعودية يمنح باريس قناة إضافية للتأثير في ملفات الخليج والشرق الأوسط، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تقليل تداعيات الأزمات الإقليمية على أمن الطاقة والتجارة والملاحة.
ويبرز مضيق هرمز باعتباره الاختبار الأهم للشراكة الجديدة. فإذا استمرت اضطرابات الملاحة، فإن قدرة السعودية على توفير مسارات بديلة لتصدير النفط ستتحول من ورقة اقتصادية إلى عنصر من عناصر الأمن الاستراتيجي الأوروبي، وهو ما يفسر الاهتمام الفرنسي المباشر بالملف.
كما أن طرح التعاون بين المبادرة البحرية السعودية والمهمة الأوروبية في البحر الأحمر قد يفتح الباب أمام نموذج أوسع للتنسيق بين القوى الخليجية والأوروبية في حماية طرق التجارة الدولية.
وفي لبنان وسوريا، تبدو المصالح السعودية والفرنسية أكثر تقارباً في دعم مؤسسات الدولة ومنع تحول البلدين إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية، بينما تمثل القضية الفلسطينية مساحة أخرى للتنسيق السياسي بين الطرفين.
أما اقتصادياً، فإن التحول الأبرز يتمثل في انتقال العلاقة من التركيز التقليدي على النفط والطاقة إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ومراكز البيانات والاستثمارات المتبادلة، بما يعكس رغبة البلدين في بناء شراكة طويلة الأمد تتلاءم مع التحولات الاقتصادية السعودية.
وبذلك، فإن اجتماع باريس لا يبدو مجرد لقاء بين حليفين اقتصاديين، بل محاولة سعودية ـ فرنسية لصياغة تفاهمات جديدة حول أمن المنطقة والطاقة والملاحة وإعادة بناء نفوذ الدولة في دول الأزمات، بالتوازي مع شراكة اقتصادية تتجه نحو التكنولوجيا والاقتصاد الجديد.







