حرية
لم يعد إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران في محافظة ميسان مجرد إجراء حكومي قالت بغداد إنه يرتبط بنقص الجاهزية الفنية والتقنية؛ فالقرار أعاد إلى الواجهة ملفات قديمة من الفساد والصراع على عائدات المنفذ، وفتح باباً جديداً للتجاذب السياسي والأمني، وسط اتهامات بوجود جهات متنفذة تستفيد من حركة التجارة والتهريب، ومواقف إيرانية رافضة للإغلاق، فيما وجد العاملون وأصحاب المصالح أنفسهم في مواجهة خسائر مباشرة لا يعرفون موعد انتهائها.
وتظاهر أصحاب سيارات الحمل وسائقو سيارات الأجرة والعاملون في المنفذ، اليوم السبت، على الطريق المؤدي إليه، مطالبين بإعادة تشغيله وإيصال مطالبهم إلى الحكومة الاتحادية في بغداد، مؤكدين أن استمرار الإغلاق ألحق أضراراً بمصالحهم ومصادر أرزاقهم، في وقت تعتمد فيه شريحة واسعة من أبناء المحافظة على حركة النقل والتجارة والمسافرين عبر هذا المعبر.
وكانت الحكومة الاتحادية قد أصدرت، في 20 تشرين الأول الجاري، توجيهات بإغلاق منفذ الشيب حتى إشعار آخر، قبل أن يوضح المتحدث باسمها حيدر العبودي أن القرار جاء بسبب عدم جاهزيته الفنية والتقنية والتطويرية، وبهدف رفع مستوى الاستعدادات اللوجستية، مؤكداً استمرار التبادل التجاري مع إيران عبر منافذ أخرى.
غير أن الإغلاق لم يأتِ بمعزل عن تطورات أمنية سابقة؛ إذ أُغلق المنفذ في 12 أيلول الماضي ضمن إجراءات أمنية شملت منافذ حدودية مع إيران، عقب تحقيقات عراقية بشأن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت خط أنابيب النفط السعودي “شرق – غرب”، وسط معلومات عن انطلاقها من الأراضي العراقية.
وأفادت مصادر حينها بتشكيل لجان للتحقيق في خروقات تتعلق بتمرير مواد وأسلحة ومعدات لصناعة الطائرات المسيرة، ومحاسبة الجهات المتورطة، قبل أن يُعاد فتح المنفذ لاحقاً ثم يصدر قرار إغلاقه مجدداً في تشرين الأول.
وتزامن ذلك مع تقارير صحفية نقلت عن مصادر قريبة من الحكومة اتهامات لجهات مسلحة بالاستفادة من بعض المنافذ في نقل الأموال والسلاح والتهريب، وربطت الإجراءات الجديدة بمساعي فرض الرقابة وإنهاء نفوذ الجماعات المتنفذة.
كما تحدثت المصادر عن احتمال ارتباط القرار بضغوط أميركية تستهدف تقليص حركة التجارة مع إيران، لكن هذه المعلومات بقيت في إطار ما نقلته المصادر ولم تعلن الحكومة تفاصيل رسمية تثبت وجود اتفاق أو ضغط محدد وراء إغلاق الشيب.
صراع قديم على الإيرادات والنفوذ
ولا تبدو الخلافات حول المنفذ جديدة؛ ففي عام 2017، شهد الشيب نزاعات على وارداته، وصلت إلى تصويت مجلس محافظة ميسان على إغلاقه عشرة أيام بسبب خلاف عشائري بشأن عائدات ميزان الشاحنات.
وتحدث مسؤولون محليون آنذاك عن تدخل أطراف حزبية وعشائرية في حركة التجارة والتخليص الكمركي ونقل البضائع، واتهموا جهات بالاستحواذ على موارد المنفذ، مشيرين إلى أن إيراداته بلغت 42 مليار دينار خلال عام 2016، مقابل شكاوى من عدم حصول المحافظة على حصتها من العائدات وتضرر طرقها بفعل حركة الشاحنات الثقيلة.
وفي تشرين الأول من العام نفسه، اختُطف مدير كمرك المنفذ حيدر الموسوي قبل تحريره بعد ساعات، وسط اتهامات أطلقها مسؤولون محليون بوجود صراع بين جهات سياسية وعشائرية على الموارد والنفوذ داخل المعبر.
وقد كشفت تلك الأحداث أن إدارة المنفذ لم تكن شأناً إدارياً محضاً، بل ارتبطت في مراحل سابقة بتنافس أطراف محلية على عائداته، وإن كانت الاتهامات المتعلقة بالجهات المتورطة تحتاج إلى الفصل بينها وبين الوقائع التي ثبتت قضائياً.
وتعززت هذه الخلفية بملفات فساد وصلت إلى القضاء؛ ففي آب 2024، أصدرت محكمة جنايات ميسان حكماً بالحبس الشديد لمدة سنتين بحق مدير منفذ الشيب عن جريمة تلقي رشوة مقابل تسهيل دخول البضائع والسلع.
وفي أيلول من العام ذاته، صدر حكم بالحبس الشديد لمدة سنتين وغرامة مليوني دينار بحق مدير مركز الكمرك المدني في المنفذ، بعد إدانته بتقاضي رشوة لتسهيل إدخال مواد إنشائية وغذائية بصورة مخالفة للقانون، فيما كانت هيئة النزاهة قد أعلنت ضبطه متلبساً بتسلم مليون ونصف المليون دينار.
وتكشف هذه الأحكام عن مخالفات فعلية داخل منظومة إدارة المنفذ، وتمنح المطالبات بتشديد الرقابة عليه أساساً يتجاوز الاتهامات السياسية المتبادلة.
لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً بشأن ما إذا كانت إجراءات الإغلاق والتطوير الفني ستترافق مع إصلاح حقيقي لآليات الجباية والتخليص الجمركي، أم ستقتصر على إيقاف الحركة التجارية وتحميل العاملين تبعات القرار.
وفي سياق المواقف الدينية والسياسية المرتبطة بالإغلاق، برز تصريح رجل الدين الإيراني وعضو البرلمان محمد تقي نقد علي دار، في أيلول الماضي، الذي دعا بغداد إلى إعادة فتح منفذي الشيب والشلامجة، وربط استمرار الحكومة العراقية، في حديثه، باحترام الفصائل المسلحة والتعامل الإيجابي مع إيران.
كما انتقد إغلاق المنافذ في أعقاب الهجمات التي استهدفت السعودية، مستخدماً خطاباً سياسياً حاداً تجاه الحكومة العراقية. ويعكس هذا الموقف دخول شخصيات دينية وسياسية إيرانية على خط الأزمة، لكنه لا يمثل موقف المرجعية الدينية العراقية أو دليلاً على وجود توجيه ديني عراقي بشأن قرار الإغلاق.
بغداد وميسان.. أزمة تتسع إلى مواجهة سياسية
ومع استمرار الإغلاق، انتقلت الأزمة من احتجاجات العاملين إلى خلاف سياسي بين الحكومة الاتحادية والسلطات المحلية. فقد هدد رئيس مجلس محافظة ميسان مصطفى دعير المحمداوي بإعلان العصيان المدني وقطع الطرق إذا لم يُعد فتح المنفذ، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء علي الزيدي إلى توجيه بإجراء تحقيق بشأن تصريحاته، قبل أن تتخذ القضية مساراً قضائياً.
وفي المقابل، رفض عدد من شيوخ عشائر ميسان استمرار الإغلاق من دون توفير بدائل، محذرين من انعكاساته على معيشة السكان وحركة السفر والروابط العشائرية مع محافظة الأهواز الإيرانية.
كما انتقد نواب المحافظة القرار، مطالبين الحكومة الاتحادية بمراعاة الأوضاع الإنسانية والمعيشية، خصوصاً للطلبة والمرضى وكبار السن والزائرين الذين يستخدمون المنفذ.
وعلى الجانب الإيراني، أعربت وزارة الداخلية عن استيائها من عدم تلقي إخطار مسبق بالإغلاق، فيما ردت السفارة الإيرانية في بغداد على اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات والعملات المزورة، ووصفتها بأنها ادعاءات غير صحيحة.
وفي المقابل، نفت قيادة عمليات ميسان تسجيل عمليات تهريب للمخدرات أو غسل للأموال عبر المنفذ، مؤكدة أن الوضع الأمني في المنطقة تحت السيطرة، وأنها لم تتلقَّ حتى الآن موعداً لإعادة افتتاحه.
وبين إرث الفساد الذي وثقته أحكام قضائية، والاتهامات المتعلقة بنفوذ جهات مسلحة وعمليات تهريب، والمواقف الإيرانية والتصعيد السياسي المحلي، تبدو أزمة الشيب أكبر من خلاف بشأن جاهزية فنية.
فالحكومة مطالبة بتوضيح طبيعة الخروقات التي استدعت الإغلاق، وإعلان نتائج التحقيقات، وتحديد موعد أو شروط واضحة لإعادة التشغيل، بالتوازي مع إصلاح منظومة الرقابة والجباية ومنع أي جهة من استغلال المنفذ خارج القانون.
أما ترك المعبر مغلقاً من دون توضيح كافٍ أو جدول زمني، فيبقي آلاف العاملين أمام خسائر يومية، ويجعل سكان ميسان عالقين بين مطالب فرض سلطة الدولة ومحاسبة المتورطين، وبين حقهم في استمرار التجارة والسفر وعدم تحويل أرزاقهم إلى ثمن لصراعات النفوذ والتجاذبات السياسية.







