حرية
بالتزامن مع تظاهرات 25 تشرين الأول 2026، التي شهدتها ساحة التحرير وسط بغداد إحياءً للذكرى السابعة لثورة تشرين، عاد الجدل بشأن الضمانات القانونية لحق التظاهر والاعتصام السلمي في العراق، وسط تأكيدات قانونية بأهمية حماية الحريات الدستورية وتنظيم ممارستها بما لا يمس جوهرها.
وخرجت تظاهرات منذ صباح اليوم في ساحة التحرير والمحافظات، للمطالبة بكشف قتلة متظاهري تشرين في 2019 ومكافحة الفساد وحصر السلاح وتأمين سيادة العراق وتحسين الواقع المعيشي للشعب العراقي في مطالب متنوعة حملها المتظاهرون ويمكن إطلاق عليها بـ”التظاهرات البرتقالية” وهي تظاهرات بمطالب متعددة، إلا أن البعض لوح باعتصام سلمي لتحقيق المطالب.
وعن هذا الموضوع، يقول الخبير القانوني علي التميمي في حديث لـ(حرية)، إن”الإضراب والاعتصام ليسا مجرد وسيلة احتجاج، بل هما حق دستوري أصيل ومكفول بموجب القوانين الوطنية والدولية، ويتمتعان بحماية قانونية عالية، ولا يمكن تقييدهما إلا بضوابط دستورية دقيقة”.
ويضيف، أن”المادة 38 / ثالثاً من الدستور العراقي نصت صراحةً على أن (تكفل الدولة بما لا يخل بالنظام العام والآداب: ثالثاً – حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون)، والفقه الدستوري مستقر على أن الإضراب والاعتصام هما صورة من صور الاجتماع، بل هما أرقى صور حرية التعبير الجماعي، فالاجتماع قد يكون في قاعة، والتظاهر في شارع، والاعتصام هو اجتماع مستمر في مكان معين لتحقيق مطلب”.
ويشير إلى المادة 46 من الدستور، مبينا أنها”وضعت قيداً تشريعياً على المشرع نفسه، حيث نصت: “لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناءً عليه، على ألا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو أصله”، والثابت أنه”لا يوجد حتى اليوم في العراق قانون ينظم أو يقيد الإضراب والاعتصام السلمي لغير موظفي الدولة، وبالتالي تبقى القاعدة الفقهية ساري والأصل في الأشياء الإباحة، فما لم يصدر قانون يمنع، فالحق مباح ومكفول”.
ويلفت إلى، أن”(المادة 2 / أولاً – ج) من الدستور، تؤكد أن لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية، والمادة 15 تكفل حق الحياة والحرية والأمان، والاعتصام السلمي هو ممارسة لهذا الحق”.
ويوضح، أن”هذا الحق ليس محلياً فقط، بل هو حق إنساني عالمي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 نصت المادة 19 منه، “على حق حرية الرأي والتعبير، ونصت “المادة 20 / 1″ على أن لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية”.
ويتابع، أن”العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 وهو ملزم للعراق، نصت (المادة 21) منه على: “يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به”، ونصت (المادة 22) على حق تكوين الجمعيات، كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966 نصت (المادة 8 /1 – د) منه صراحةً على: “حق الإضراب على أن يمارس وفقاً لقوانين البلد المعني” وهذا اعتراف دولي مباشر بأن الإضراب حق، بشرط أن يكون له أهداف مشروعة تخدم المجتمع، وأن يكون سلمياً ولا يخل بالنظام العام”.
ويشير إلى، أن”أغلب الدساتير العربية كرست هذا الحق صراحة وبنصوص واضحة، وهو ما يؤكد أنه اتجاه دستوري عربي عام، فدستور جمهورية مصر العربية 2014، وهو الأكثر وضوحاً، حيث نصت (المادة 15) منه، على: “الإضراب السلمي حق ينظمه القانون” ونصت (المادة 73) على: “للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية”، أما الدستور التونسي 2022 نصت (المادة 41) منه على: “حق الاجتماع والتظاهر السلميين مضمون” ونصت (المادة 45) على الحق النقابي بما فيه حق الإضراب”.
ويؤكد، أن”المادة 29 من دستور المملكة المغربية 2011، نصت على: “حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي… مضمونة. حق الإضراب مضمون”، فيما نصت (المادة 15 / 1) من دستور المملكة الأردنية 1952 وتعديلاته: “على حرية الرأي والتعبير والاجتماع”.
“في القضاء المقارن”.
ويكشف التميمي، عما”استقر عليه القضاء الإداري الفرنسي ومجلس الدولة المصري وقضاء المحكمة الإدارية العليا، هو تفضيل المصلحة المباشرة للمعتصمين المضربين على ما يسمى بالمصلحة العامة المرسلة، لأن مصلحة المضربين هي مصلحة مباشرة وحالة وملموسة وواجبة الاتباع، فالقضاء الفرنسي في قراره الشهير “Dehaene 1950″ اعتبر الإضراب حقاً مشروعاً حتى لو عطل سير المرفق العام، ما دام يحافظ على سلميته”.
ويتابع، أنه”عندما تُنتهك حقوق الشعب الأساسية ويُغلق باب الحوار، يصبح الاعتصام أكثر قدسية وأكثر مشروعية، لأنه الوسيلة الأخيرة لدفع الظلم، وهذا ما جسده “المهاتما غاندي” في الهند بسياسة العصيان المدني السلمي، و”نيلسون مانديلا” في جنوب أفريقيا بنضاله ضد الفصل العنصري، حيث تحول الاعتصام والإضراب من فعل احتجاجي إلى فعل تحرري يصحح المسارات الخاطئة للدولة”.
ويخلص التميمي إلى، أن”الإضراب والاعتصام السلمي حق دستوري أصيل، لا يحتاج إلى ترخيص مسبق، بل مجرد إشعار، ولا يجوز تجريمه، ويبقى هو صمام الأمان الأخير للشعوب عندما تفشل كل الوسائل الأخرى في تصحيح الأخطاء”.
تُعد الاعتصامات إحدى وسائل الاحتجاج السلمي التي لجأ إليها العراقيون خلال السنوات الماضية للتعبير عن مطالبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ شهدت البلاد موجات احتجاجية متعاقبة، برزت خلالها ساحات عامة في بغداد وعدد من المحافظات مراكزَ للتجمعات المطالبة بالإصلاح وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل ومكافحة الفساد.
وشكّلت احتجاجات تشرين الأول 2019 محطة بارزة في تاريخ الحراك الشعبي العراقي بعد عام 2003، عندما تحولت التظاهرات التي انطلقت في بغداد ومحافظات وسط البلاد وجنوبها إلى تجمعات واعتصامات استمرت أشهراً، ورفعت مطالب بتغيير النهج السياسي ومحاسبة المسؤولين عن الفساد والانتهاكات، فضلاً عن المطالبة بفرص عمل وخدمات أفضل، وأدت الاحتجاجات إلى استقالة حكومة عادل عبد المهدي، فيما خلّفت أعمال العنف التي رافقتها أعداداً كبيرة من الشهداء والجرحى، بحسب تقارير حقوقية دولية.







