حرية – تقرير خاص
منذ أكثر من عقد، اعتمدت الولايات المتحدة سياسة العقوبات الاقتصادية كأحد أبرز أدواتها للحد من نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، مستهدفة عشرات الشخصيات والشركات والمؤسسات المالية بتهم تتعلق بتمويل الأنشطة المسلحة أو الالتفاف على النظام المالي الدولي.
لكن تقريراً حديثاً صادر عن “منتدى الشرق الأوسط” الأميركي يرى أن هذه السياسة وصلت إلى مرحلة فقدت فيها الكثير من فعاليتها، ليس بسبب ضعف العقوبات نفسها، وإنما لأن البيئة التي تسمح باستمرار النشاط الاقتصادي لهذه الجهات ما تزال قائمة داخل مؤسسات الدولة العراقية.
وبحسب التقرير، فإن العقوبات نجحت في عزل بعض الكيانات خارجياً، لكنها لم تمنعها من الحصول على عقود حكومية أو موارد مالية داخل العراق، الأمر الذي أبقى نفوذها الاقتصادي والسياسي قائماً، بل ومتصاعداً في بعض القطاعات.
ويذهب التقرير إلى أن المشكلة لم تعد في الفصائل المسلحة بحد ذاتها، وإنما في المؤسسات التي تمنحها الشرعية القانونية والقدرة على العمل، وهو ما يدفع واشنطن – بحسب التقرير – إلى التفكير بتغيير قواعد اللعبة.
استراتيجية أميركية جديدة
التحول الأبرز الذي يطرحه التقرير يتمثل في الدعوة إلى نقل دائرة العقوبات من قادة الفصائل والشركات المرتبطة بها إلى المسؤولين الحكوميين الذين يوقعون العقود أو يمنحون الموافقات الرسمية لتلك الجهات.
ويعني ذلك، في حال اعتماده، أن المدير العام أو مسؤول العقود أو رئيس لجنة الإحالة قد يصبح هدفاً للعقوبات الأميركية إذا ثبت تعامله مع كيان مدرج على القوائم السوداء.
ويمثل هذا التوجه تحولاً نوعياً في السياسة الأميركية، إذ تنتقل العقوبات من استهداف “المستفيد” إلى استهداف “المُمكّن”، أي الشخص الذي يوفر الغطاء الإداري والقانوني لاستمرار النشاط الاقتصادي.
الاقتصاد… ساحة الصراع الجديدة
يكشف التقرير أن الصراع بين واشنطن والفصائل لم يعد يتركز على السلاح فقط، بل انتقل بصورة واضحة إلى الاقتصاد.
فبعد تشديد الرقابة على التحويلات المالية والدولار، أصبحت الأنشطة التجارية والاستثمارية تمثل، وفق التقرير، مصدراً رئيسياً للتمويل، سواء عبر شركات المقاولات أو المؤسسات التعليمية أو المشاريع السياحية أو الصحية.
ويشير التقرير إلى أن شركة “المهندس العامة” تمثل نموذجاً لهذا التحول، معتبراً أنها أصبحت لاعباً اقتصادياً مؤثراً من خلال العقود الحكومية والمشاريع الاستثمارية، رغم إدراجها على لوائح العقوبات الأميركية.
وفي هذا السياق، يرى معدو التقرير أن العقوبات المالية لا تحقق أهدافها إذا بقيت الدولة نفسها تمنح الكيانات المعاقبة فرص الاستثمار والعمل والحصول على التمويل.
هل تتجه واشنطن لمعاقبة مسؤولين عراقيين؟
إذا أخذت الإدارة الأميركية بهذه التوصيات، فإن العراق قد يواجه مرحلة مختلفة من العقوبات.
فبدلاً من إضافة شركات جديدة إلى القوائم السوداء، قد تتجه واشنطن إلى إدراج مسؤولين حكوميين، ومديرين عامين، وموظفي مشتريات، ورؤساء لجان تعاقد، وهو ما سيشكل سابقة في طبيعة العقوبات الأميركية داخل العراق.
وهذا السيناريو ستكون له انعكاسات كبيرة على عمل الوزارات، إذ قد يدفع الكثير من المسؤولين إلى تجنب توقيع العقود التي يمكن أن تثير شبهة التعامل مع جهات مدرجة على العقوبات، الأمر الذي قد ينعكس على تنفيذ بعض المشاريع الحكومية.
ضغط سياسي أكثر من كونه اقتصادياً
رغم أن العقوبات تبدو أداة مالية، إلا أن جوهرها سياسي بامتياز.
فالرسالة الأميركية، وفق التقرير، لا تستهدف فقط وقف التمويل، بل إعادة رسم العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة، عبر تحميل المؤسسات الرسمية مسؤولية أي تعاون اقتصادي مع الجهات المعاقبة.
ومن هنا، تبدو العقوبات المقترحة جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى دفع بغداد نحو إصلاحات مؤسسية، وتعزيز الشفافية، وإعادة تنظيم منظومة العقود الحكومية بما يقلص فرص استغلالها من قبل جهات تمتلك نفوذاً سياسياً أو عسكرياً.
هل تنجح الاستراتيجية الجديدة؟
تاريخ العقوبات الأميركية في العراق يقدم صورة معقدة.
فعلى الرغم من إدراج عشرات الشخصيات والشركات على قوائم العقوبات خلال السنوات الماضية، فإن كثيراً منها استمر في ممارسة نشاطه داخل العراق، مستفيداً من البيئة القانونية المحلية ومن محدودية تأثير العقوبات داخل السوق العراقية.
ولهذا، فإن نجاح أي سياسة جديدة سيعتمد على عاملين رئيسيين:
- مدى استعداد الحكومة العراقية لتعزيز الرقابة والشفافية في منح العقود وإدارة المال العام.
- قدرة الولايات المتحدة على تحويل العقوبات من مجرد إجراءات مالية إلى أدوات تؤثر فعلياً في سلوك المؤسسات الرسمية، من دون الإضرار بالعلاقات الثنائية أو تعطيل مشاريع الدولة.
ما يطرحه تقرير “منتدى الشرق الأوسط” لا يقتصر على مراجعة سياسة العقوبات، بل يعكس تحولاً في التفكير الأميركي تجاه العراق، من التركيز على الفاعلين غير الحكوميين إلى مساءلة المؤسسات التي يُعتقد أنها تتيح لهم الاستمرار في النشاط الاقتصادي.
ومع ذلك، تبقى هذه التوصيات تعبيراً عن رؤية مركز بحثي أميركي، ولا تعني بالضرورة أنها أصبحت سياسة رسمية للولايات المتحدة. وإذا ما تبنتها واشنطن مستقبلاً، فإنها قد تفتح مرحلة جديدة من الضغوط السياسية والاقتصادية على العراق، يكون عنوانها الأبرز: انتقال العقوبات من استهداف الفصائل إلى اختبار مؤسسات الدولة نفسها.







