رغـد بنت زيد
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها تحوّلًا منذ عقود، حيث تتسارع المتغيرات الجيوسياسية بوتيرة تعيد رسم خرائط النفوذ والأمن الإقليمي بشكل عميق. ولم يعد ما يجري مجرد أزمات متفرقة، بل مسار متكامل لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، تتداخل فيه الحروب مع التحالفات، وتتراجع فيه الثوابت أمام حسابات المصالح.
غزة… من مركز الصراع إلى هامش الاهتمام
في قلب هذا المشهد، برزت الحرب في غزة كنقطة مفصلية، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن مفارقة لافتة؛ إذ تحولت من قضية مركزية إلى ملف يتراجع حضوره تدريجيًا في الاهتمام الدولي، رغم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
ومع استمرار الضربات، تعرضت قوى مثل حماس وحزب الله لضغوط غير مسبوقة، ما أضعف قدرتها على الحفاظ على تماسك بنيتها القيادية والتنظيمية، وفرض عليها واقعًا ميدانيًا أكثر تعقيدًا.
سوريا… تراجع الأدوار وصعود قوى جديدة
في سوريا، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، حيث تتغير قواعد الاشتباك وتبرز قوى أمر واقع جديدة، في ظل تراجع أدوار تقليدية كانت تمسك بخيوط الصراع.
ويتقاطع هذا التحول مع مؤشرات على إعادة تموضع الولايات المتحدة، التي تبدو أقل انخراطًا في إدارة الصراعات بشكل مباشر، وأكثر ميلًا إلى إعادة ضبطها وفق أولويات استراتيجية جديدة.
إيران… من الردع إلى الاستنزاف
أما إيران، فقد شكّلت الضربات التي تعرضت لها تحولًا نوعيًا، ليس فقط من حيث حجمها، بل من حيث طبيعتها، إذ تشير إلى انتقال خصومها إلى استراتيجية تقوم على إنهاكها على المدى الطويل، عبر استهداف مراكز القرار والبنى العسكرية.
وهذا التحول يضع طهران أمام معادلة صعبة، تدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، وتقليص انخراطها في بعض الساحات الإقليمية.
نهاية وحدة الساحات
تُعلن هذه التطورات مجتمعة نهاية مرحلة ما كان يُعرف بـ“وحدة الساحات”، وهي المقاربة التي قامت على تنسيق جبهات متعددة في مواجهة خصوم مشتركين.
اليوم، يبدو أن هذا المفهوم يتفكك تحت ضغط الواقع، لتجد القوى الإقليمية نفسها أمام خيار الانكفاء نحو الداخل، وإعادة ترتيب أولويات البقاء بدل التوسع.
تحالفات جديدة وحياد اضطراري
في المقابل، تتجه بعض الدول نحو ما يمكن وصفه بـ“الحياد الإجباري”، في محاولة لتجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، بينما تنخرط دول أخرى في مسارات تطبيع وشراكات اقتصادية جديدة.
هذا التحول يعزز فرضية إعادة هيكلة شاملة للنظام الإقليمي، قد تُفضي إلى تقليص أدوار قوى كانت تُصنّف ضمن ما يُعرف بمحور الممانعة.
العراق… في قلب التحول
ضمن هذا السياق، يبرز العراق كأحد أكثر النقاط حساسية في الخريطة الجديدة. فموقعه الجغرافي بين مراكز التوتر، وتركيبته السياسية المعقدة، وارتباطاته المتشابكة مع أطراف إقليمية ودولية، تجعله عرضة لضغوط متعددة الأبعاد، تتراوح بين الأدوات الاقتصادية والضغوط الأمنية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في هذه الضغوط الخارجية، بل في قدرة الداخل العراقي على قراءة التحولات بواقعية.
اختبار الدولة والقرار
مرحلة ما بعد الاستحقاقات السياسية تضع النخب العراقية أمام اختبار حاسم، يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء رؤية استراتيجية قادرة على التكيف مع بيئة إقليمية متغيرة.
فلم يعد ممكنًا الاعتماد على معادلات الردع التقليدية، أو على تحالفات فقدت الكثير من فعاليتها، بل تفرض المرحلة الراهنة مقاربة أكثر براغماتية تعيد تعريف مفهوم الدولة ومصادر قوتها.
لحظة مفصلية
في ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن العراق يملك ترف الانتظار. فالتغيرات التي تعصف بالمنطقة تتقدم بسرعة، وأي تأخر في التكيف معها قد يضع بغداد في قلب عاصفة إقليمية تتجاوز قدرتها على الاحتواء.
وبين تفكك تحالفات الأمس وصعود معادلات جديدة، يقف العراق أمام لحظة مفصلية قد تحدد موقعه في شرق أوسط يُعاد تشكيله من جديد.







