حرية
قبل عام واحد فقط، كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تُقدَّم بوصفها أقرب حلفاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب داخل أوروبا. فقد جمع بينهما تقارب أيديولوجي واضح في قضايا الهجرة، وحماية الحدود، والدفاع عن الهوية الوطنية، حتى إن ترامب وصفها بـ”الصديقة”، بينما سعت هي إلى تسويق نفسها كجسر يربط بين واشنطن والعواصم الأوروبية.
لكن السياسة الخارجية لا تُدار بالعواطف أو الانسجام الفكري وحده، بل تحكمها حسابات المصالح الوطنية. ومع تعاقب الأزمات الدولية، وجدت ميلوني نفسها أمام اختبار صعب: هل تواصل الاصطفاف خلف البيت الأبيض، أم تعيد التموضع داخل الفضاء الأوروبي الذي ترتبط به إيطاليا اقتصادياً وسياسياً؟
اصطدام الأيديولوجيا بحسابات الدولة
مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بدا أن روما ستكون الحليف الأوروبي الأكثر قرباً من واشنطن. غير أن هذا الانسجام لم يدم طويلاً، بعدما اصطدمت الحكومة الإيطالية بقرارات أمريكية مست مصالحها المباشرة، بدءاً من فرض الرسوم الجمركية على الصادرات الأوروبية، مروراً بالخلافات حول الحرب في أوكرانيا، وانتهاءً بالتصعيد العسكري ضد إيران الذي انعكس على أسواق الطاقة والاقتصاد الإيطالي.
وأدركت ميلوني أن التقارب السياسي لا يمنح استثناءات عندما تتعارض المصالح الاقتصادية، وأن إدارة ترامب مستعدة لاتخاذ قرارات تضر حتى بأقرب حلفائها إذا اقتضت أولوياتها الداخلية ذلك.
رسائل استقلال عن واشنطن
برز التحول الإيطالي في عدد من المواقف التي حملت رسائل واضحة إلى الإدارة الأمريكية. فقد رفضت روما استخدام قاعدة “سيغونيلا” الجوية في العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، كما أبدت تحفظاً على بعض مواقف ترامب تجاه الفاتيكان، وهو ملف بالغ الحساسية بالنسبة لإيطاليا.
ولم تتردد ميلوني أيضاً في نفي تصريحات ترامب التي ادعى فيها أنها طلبت التقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع، في موقف اعتبره مراقبون مؤشراً على رغبتها في التأكيد أن العلاقة مع واشنطن تقوم على الندية لا التبعية.
براغماتية لا قطيعة
ورغم هذا التباعد، لم تتحول العلاقة إلى مواجهة سياسية. فميلوني لم تتخلَّ عن قناعاتها المحافظة أو عن قنوات التواصل مع ترامب، لكنها باتت تفصل بوضوح بين التقارب الفكري ومتطلبات إدارة الدولة.
ويؤكد مقربون من حزب “إخوة إيطاليا” أن الملفات المشتركة، مثل مكافحة الهجرة غير الشرعية وأمن الحدود والدفاع عن الهوية الثقافية، ما تزال تشكل أرضية تعاون بين الطرفين، إلا أن ذلك لا يعني أن روما ستضحي بمصالحها الوطنية لإرضاء واشنطن.
أوروبا أصبحت الخيار الاستراتيجي
التحول الأكبر ظهر داخل الاتحاد الأوروبي. فبعد سنوات من الخطابات المشككة في سياسات بروكسل، تبنت ميلوني نهجاً أكثر واقعية، مدركة أن الاقتصاد الإيطالي يعتمد بصورة كبيرة على التمويل الأوروبي، وأن الاستقرار المالي لا يمكن تحقيقه من دون علاقة متوازنة مع مؤسسات الاتحاد.
وبدلاً من الدخول في صدامات مع بروكسل، اختارت تعزيز التنسيق مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والعمل من داخل المؤسسات الأوروبية للتأثير في السياسات، ولا سيما في ملف الهجرة، الذي نجحت فيه إلى حد كبير في دفع الاتحاد نحو تبني إجراءات أكثر تشدداً.
أوكرانيا… التحول الأكثر حساسية
أحد أبرز مظاهر هذا التحول كان الموقف من الحرب الروسية الأوكرانية. فالحزب الذي كان يميل سابقاً إلى تخفيف التوتر مع موسكو، أصبح في عهد ميلوني من أكثر الحكومات الأوروبية دعماً لكييف، رغم استمرار بعض الأصوات المعارضة داخل حزبها.
هذا الموقف لم يكن مجرد تغير سياسي، بل رسالة بأن التزامات إيطاليا داخل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي أصبحت أولوية تتقدم على الاعتبارات الأيديولوجية.
عودة الدفء إلى العلاقات مع باريس
ولم يقتصر إعادة التموضع على العلاقة مع بروكسل، بل امتد إلى فرنسا، التي شهدت علاقاتها مع روما توتراً خلال السنوات الماضية بسبب الخلافات حول الهجرة والسياسات الأوروبية.
إلا أن الأشهر الأخيرة حملت تقارباً ملحوظاً بين ميلوني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تُوّج بلقاءات واتفاقات ثنائية عكست رغبة مشتركة في تجاوز الخلافات وبناء شراكة أكثر استقراراً داخل الاتحاد الأوروبي.
سياسة خارجية متعددة الاتجاهات
تكشف تجربة ميلوني أن الزعامات الأوروبية باتت أقل ميلاً إلى الاصطفافات الثابتة وأكثر اعتماداً على براغماتية تحكمها المصالح الوطنية. فهي لم تتخلَّ عن علاقتها مع ترامب، لكنها في الوقت نفسه لم تسمح لهذه العلاقة بأن تتحول إلى قيد يحد من خيارات إيطاليا داخل أوروبا.
وفي ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، تبدو ميلوني وكأنها ترسم نموذجاً جديداً للسياسة الخارجية الإيطالية؛ نموذج يقوم على الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة، مع ترسيخ موقع روما داخل الاتحاد الأوروبي، بما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة.
وبذلك، لم تعد ميلوني تُقدَّم بوصفها “حليفة ترامب في أوروبا” فحسب، بل كزعيمة تسعى إلى موازنة العلاقة بين ضفتي الأطلسي، واضعةً المصلحة الإيطالية فوق الاعتبارات الأيديولوجية، في تحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن النفوذ في السياسة الدولية يُبنى بالمرونة أكثر مما يُبنى بالولاءات الثابتة.







