رغد بنت زيد
رغم استمرار التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفه أحد أكثر التحالفات رسوخاً في النظام الدولي فإن تطورات الأشهر الأخيرة تشير إلى تحول لافت في طريقة إدارة هذا التحالف لا يمس أسسه العسكرية والأمنية بقدر ما يعيد توزيع أدوار الطرفين في رسم مستقبل الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة ما تزال تقدم لإسرائيل دعماً عسكرياً وسياسياً غير مسبوق وتواصل التنسيق معها في الملفات الأمنية الحساسة إلا أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تبدو أكثر تمسكاً بإبقاء قرار الحرب والسلام وإعادة تشكيل الإقليم ضمن حسابات المصالح الأميركية الشاملة بعيداً عن منح أي طرف حق توجيه السياسة الخارجية الأميركية بصورة مطلقة.
ويعكس هذا التحول اختلافاً في الأولويات أكثر مما يعكس خلافاً في التحالف. فبينما تنظر إسرائيل إلى البيئة الإقليمية من زاوية التهديدات الأمنية المباشرة تعمل واشنطن على مقاربة أوسع تربط الأمن بالاستقرار السياسي وأسواق الطاقة وشبكة التحالفات الإقليمية ومنافسة القوى الدولية على النفوذ في الشرق الأوسط.
من يقود هندسة المنطقة؟
تُظهر الملفات الإقليمية المتعددة أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الرؤية الإسرائيلية باعتبارها الإطار الوحيد لإدارة أزمات المنطقة.
ففي الملف التركي واصلت الإدارة الأميركية تطوير علاقاتها مع أنقرة باعتبارها عضواً محورياً في حلف شمال الأطلسي وشريكاً أساسياً في قضايا البحر الأسود وسوريا وأمن أوروبا رغم التحفظات الإسرائيلية على تنامي القدرات العسكرية التركية.
أما في الملف الإيراني فرغم التنسيق العسكري الوثيق بين واشنطن وتل أبيب فإن الإدارة الأميركية بدت أكثر حرصاً على منع تحول المواجهة إلى حرب مفتوحة قد تهدد الملاحة الدولية وأسواق الطاقة وتوسع دائرة الصراع الإقليمي.
ويكشف هذا التباين أن الولايات المتحدة باتت توازن بين حماية أمن إسرائيل والمحافظة على مصالحها الاستراتيجية الأوسع وهو توازن يفرض حدوداً على قدرة أي حليف في التأثير على القرار الأميركي.
الدولة قبل الجبهات المفتوحة
وتتكرر المقاربة الأميركية في ملفات لبنان وسوريا والعراق حيث تراهن واشنطن على تقوية مؤسسات الدولة بوصفها الضامن الأكثر استدامة للاستقرار بدلاً من الإبقاء على ساحات الصراع مفتوحة.
في لبنان تدعم الإدارة الأميركية تعزيز دور الجيش ومؤسسات الدولة في بسط السيطرة على الأراضي بالتوازي مع معالجة ملف سلاح حزب الله فيما تفضل إسرائيل الاحتفاظ بهامش أوسع من حرية العمل العسكري والوجود الأمني على الحدود.
وفي سوريا تبدو واشنطن أكثر اهتماماً بإعادة بناء مؤسسات الدولة ومنع عودة التنظيمات المتشددة مع الحفاظ على توازنات إقليمية تشمل تركيا والأردن في حين تنظر إسرائيل إلى الجنوب السوري باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي.
أما العراق فتتعامل معه الإدارة الأميركية باعتباره شريكاً أمنياً واقتصادياً تسعى إلى دعمه عبر مؤسسات الدولة مع تشجيع خطوات حصر السلاح بيد الحكومة وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة بدلاً من تحويل الساحة العراقية إلى ميدان مواجهة دائمة.
القضية الفلسطينية… العقدة المستمرة
ورغم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة لا تزال القضية الفلسطينية تمثل أحد أبرز التحديات أمام المشروع الأميركي لإعادة بناء النظام الإقليمي.
فالولايات المتحدة تدرك أن توسيع مسار التطبيع العربي مع إسرائيل يظل مرتبطاً بإيجاد أفق سياسي للقضية الفلسطينية في وقت ترفض فيه الحكومة الإسرائيلية تقديم تنازلات جوهرية في هذا الملف.
وتشير هذه المعادلة إلى أن مستقبل العلاقات الإقليمية لن يتحدد فقط بالترتيبات الأمنية بل أيضاً بقدرة الأطراف على معالجة الملفات السياسية التي ما زالت تشكل مصدر توتر دائم في المنطقة.
شراكة مستمرة… لكن بقيادة أميركية
لا تعكس التطورات الأخيرة تراجعاً في متانة التحالف (الأميركي – الإسرائيلي) بل تشير إلى إعادة تعريف لطبيعة هذا التحالف.
فالولايات المتحدة لا تبدو بصدد التخلي عن إسرائيل أو تقليص التزاماتها الأمنية تجاهها لكنها في المقابل تسعى إلى ترسيخ مبدأ أن القرار الاستراتيجي في قضايا الحرب والسلام وإعادة تشكيل الشرق الأوسط يبقى قراراً أميركياً يخضع لحسابات المصالح الوطنية الأميركية وليس لمتطلبات أي حليف مهما بلغت أهمية العلاقة معه.
وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة يبدو أن واشنطن تعمل على بناء نظام إقليمي جديد يقوم على شبكة واسعة من الشراكات مع القوى العربية والإقليمية بما يحافظ على أمن إسرائيل من جهة ويؤمن المصالح الأميركية بعيدة المدى من جهة أخرى.
وبذلك تدخل العلاقات (الأميركية – الإسرائيلية) مرحلة جديدة لا تقوم على إعادة النظر في التحالف نفسه وإنما على إعادة توزيع الأدوار داخله في ظل شرق أوسط يعاد تشكيله بعد سنوات من الصراعات وتتنافس فيه القوى الإقليمية والدولية على رسم خرائط النفوذ والاستقرار.






