حرية
أصدرت محكمة جنايات الكرخ حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً بحق ثلاثة أشخاص، بعد إدانتهم بجريمة إطلاق صواريخ كاتيوشا باتجاه قاعدة «كي 1» في محافظة كركوك، في حادثة سقطت خلالها الصواريخ بالقرب من فوج مكافحة الإرهاب والفريق الفرنسي التابع للتحالف الدولي.
وصدر الحكم بحق المدانين وفق أحكام المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، في خطوة تعكس تعامل القضاء العراقي مع الهجمات الصاروخية التي تستهدف المواقع العسكرية باعتبارها أفعالاً ذات طبيعة إرهابية، لا مجرد خروقات أمنية عابرة.
صواريخ قرب قوات عراقية ودولية
وتكتسب القضية أهمية إضافية من طبيعة الموقع المستهدف والجهات التي كانت موجودة في محيط سقوط الصواريخ، إذ إن اقتراب الهجوم من قوات عراقية ومن الفريق الفرنسي التابع للتحالف الدولي كان من شأنه تعريض أفراد عسكريين للخطر ورفع مستوى التداعيات الأمنية للحادثة.
ويكشف الحكم أن التعامل مع مثل هذه الهجمات لم يعد محصوراً بالمعالجة الأمنية الميدانية، وإنما يمتد إلى المسار القضائي وصولاً إلى إصدار أحكام مشددة بحق من تثبت مسؤوليتهم عنها.
15 عاماً.. ماذا يعني الحكم؟
لا تكمن أهمية الحكم في مدة العقوبة وحدها، وإنما في طبيعة التوصيف القانوني للجريمة. فإحالة المدانين إلى أحكام المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب تحمل دلالة واضحة على أن الدولة تتعامل مع استهداف المنشآت والقوات العسكرية باستخدام الصواريخ بوصفه تهديداً للأمن والاستقرار، وليس فعلاً يمكن تسويته خارج إطار القانون.
ومن الناحية الأمنية، فإن صدور أحكام قضائية في مثل هذه الملفات يمثل اختباراً عملياً لقدرة مؤسسات الدولة على الانتقال من مرحلة احتواء الهجمات إلى ملاحقة منفذيها ومحاسبتهم قضائياً.
رسالة إلى السلاح خارج إطار الدولة
ويأتي الحكم في توقيت تزداد فيه حساسية ملف السلاح والهجمات التي يمكن أن تستهدف القواعد والمنشآت العسكرية، خصوصاً مع انتقال العلاقة بين العراق والتحالف الدولي إلى مرحلة جديدة تقوم بصورة أكبر على التعاون والشراكة الأمنية.
وفي هذا السياق، فإن أي هجوم صاروخي لا يمثل مجرد حادث منفصل، بل يمكن أن يتحول إلى عامل ضغط على الأمن الداخلي وعلى قدرة الحكومة العراقية في فرض سيادتها ومنع استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف القوات أو المصالح الأجنبية.
ومن هنا، تبدو الأحكام القضائية بمثابة رسالة مزدوجة: من جهة، إلى المتورطين بأن الهجمات المسلحة ستقود إلى المساءلة؛ ومن جهة أخرى، إلى الشركاء الدوليين بأن الدولة العراقية تمتلك أدوات قانونية لملاحقة من يستهدف أمنها أو القوات الموجودة فيها وفق الأطر المعتمدة.
القضاء في مواجهة معادلة التصعيد
وتشير القضية أيضاً إلى أن معركة الدولة ضد الهجمات المسلحة لا تُحسم بالعمليات الأمنية وحدها. فالوصول إلى أحكام قضائية يتطلب جمع الأدلة، وتحديد المسؤوليات، وإخضاع المتهمين لإجراءات قضائية تنتهي بحكم يستند إلى القانون.
وهذا المسار، إذا ما استمر بصورة متسقة، يمكن أن يعزز مبدأ حصر قرار السلاح بيد الدولة، لأن قوة هذا المبدأ لا تقاس بالتصريحات السياسية فقط، وإنما بقدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على ملاحقة أي جهة أو فرد يتجاوز القانون.
كركوك.. موقع حساس
وتحمل القضية بعداً إضافياً لوقوعها في محافظة كركوك، التي تتمتع بأهمية أمنية واستراتيجية، ما يجعل استهداف مواقعها العسكرية بالصواريخ مسألة تتجاوز حدود الحادث نفسه.
فكل هجوم من هذا النوع يضع الأجهزة الأمنية أمام تحديين متوازيين: حماية القوات والمنشآت، ومنع تحول الهجمات المحدودة إلى نمط متكرر يمكن أن يهدد الاستقرار الأمني أو يفرض معادلات جديدة خارج مؤسسات الدولة.
الحكم.. اختبار لما بعد الصاروخ
وبينما أسدل الحكم القضائي الستار على الجانب القضائي من القضية بحق المدانين، تبقى القضية الأوسع مرتبطة بقدرة الدولة على منع تكرار الهجمات من الأساس.
فالردع الحقيقي لا يبدأ بعد سقوط الصاروخ، وإنما قبل إطلاقه؛ عبر الاستخبارات، والمراقبة الأمنية، وضبط السلاح، وملاحقة الشبكات التي تقف خلف عمليات الاستهداف، ثم ضمان وصول الملفات إلى القضاء بصورة مكتملة.
وبذلك، فإن حكم الـ15 عاماً بحق ثلاثة مدانين لا يمثل فقط عقوبة على جريمة وقعت في كركوك، بل يختبر قدرة الدولة العراقية على ترسيخ قاعدة أكثر وضوحاً: لا صواريخ خارج قرار الدولة، ولا استهداف للقوات والمنشآت من دون حساب، ولا إفلات من العقاب عندما تثبت المسؤولية.







