حرية
تكشف وثائق رسمية عن ملف فساد واسع داخل قطاع الكهرباء، يتضمن 549 اسماً لموظفين وهميين، وسط شبهات تتعلق بتزوير الوثائق والتلاعب ببيانات الرواتب وتوطينها، فيما امتدت التحقيقات إلى جهات خارج وزارة الكهرباء، بينها مصرف الرشيد والمديرية العامة للتعليم المهني.
وبحسب الوثائق، باشرت وزارة الكهرباء إجراءات قانونية وإدارية على خلفية الملف، شملت إحالة قائمة الأسماء إلى محكمة تحقيق الكرخ الثالثة لاتخاذ الإجراءات القانونية، إلى جانب إصدار توجيهات بإلغاء أوامر التعيين والإجراءات الإدارية المرتبطة بالأسماء التي ثبتت عدم واقعيتها، وإجراء تدقيق أوسع في ملفات الأجور والعقود والبيانات.
549 اسماً أمام القضاء
وتشير الوثائق إلى أن نتائج التحقيقات الداخلية قادت إلى تحديد 549 اسماً بوصفهم موظفين وهميين، في ملف وصفته الوزارة بأنه من الملفات الواسعة التي شهدت تلاعباً في التعيينات والرواتب.
ووجه وزير الكهرباء علي سعدي وهيب، وفق الوثائق، باتخاذ إجراءات إدارية عاجلة، بينها إلغاء الإجراءات والأوامر الخاصة بالتعيينات الوهمية، ومراجعة الملفات المرتبطة بها، بالتزامن مع إحالة الأسماء إلى القضاء للتحقيق في ملابسات القضية وتحديد المسؤوليات.
ولا تقتصر أهمية الملف على عدد الأسماء، بل تمتد إلى الفترة الزمنية التي تشير إليها التحقيقات، وآليات تمرير الأسماء داخل أنظمة الوزارة، والجهات التي مكنت من فتح حسابات مصرفية وإصدار بطاقات صرف رواتب لأشخاص لا وجود فعلياً لهم في ملاكات العمل.
مصرف الرشيد في دائرة التحقيق
وتكشف الوثائق عن تحريك وزارة الكهرباء شكوى جزائية ضد الإدارة العامة لمصرف الرشيد، على خلفية ما تقول الوزارة إنه اشتراك موظفين في المصرف بفتح استمارات توطين رواتب وإصدار بطاقات مصرفية لأسماء وهمية مرتبطة بفرع توزيع كهرباء الصدر.
وفي حال ثبوت هذه الوقائع قضائياً، فإن القضية لا تعود مجرد تلاعب داخلي في سجلات وزارة الكهرباء، وإنما تتحول إلى ملف يمتد عبر أكثر من مؤسسة، ويطرح أسئلة عن إجراءات التدقيق التي سبقت فتح الحسابات وإصدار البطاقات وتحويل الرواتب.
وثائق دراسية تفتح مساراً آخر
التحقيقات امتدت كذلك إلى المديرية العامة للتعليم المهني، بعد تحريك شكوى جزائية بشأن إصدار وثيقة تخرج قالت وزارة الكهرباء إنها مزورة.
وبحسب الوثائق، ثبتت عملية التزوير بموجب كتاب رسمي مؤرخ في 30 تموز 2026، ما فتح مساراً تحقيقياً بشأن كيفية استخدام الوثيقة لإضفاء صفة رسمية على أحد الأسماء الوهمية وتمرير إجراءات التعيين والراتب.
وهنا تتضح صورة أكثر تعقيداً للملف، إذ إن الموظف الوهمي لا يحتاج فقط إلى إدخال اسمه في قاعدة بيانات الرواتب، وإنما قد يحتاج إلى سلسلة من المستندات التي تمنحه صفة وظيفية ظاهرها قانوني، وهو ما يجعل تزوير الوثائق أحد المفاتيح الأساسية لفهم طريقة عمل الشبكة.
راتب باسم وهمي منذ 2007
ومن أبرز الوقائع التي أوردتها الوثائق، قضية الموظف صادق هاشم حمادي، الذي تتهمه التحقيقات بإنشاء اسم وهمي لشقيقه، هو «صادق قاسم حمادي»، وانتحال شخصيته واستلام راتبه باستخدام مستمسكات ووثائق تخرج مزورة.
وبحسب ما ورد في التحقيقات، استمرت عملية استلام الراتب خلال الفترة الممتدة من 2007 إلى 2025، ما يكشف، في حال ثبوت الاتهامات، عن ثغرة استمرت لسنوات طويلة داخل منظومة التدقيق الوظيفي والمالي.
كما تتحدث الوثائق عن تورط مسؤولين إداريين سابقين في إصدار أو توقيع أوامر مرتبطة بأسماء وهمية، من بينها 37 اسماً قالت التحقيقات إنها لم تكن لها أضابير شخصية أو أوليات أصولية، مع وجود تلاعب في قاعدة البيانات وبرنامج الرواتب وبيانات البطاقات المصرفية.
السؤال الأكبر: كيف استمرت الشبكة كل هذه السنوات؟
القضية تضع وزارة الكهرباء أمام اختبار مختلف عن ملفات الفساد التقليدية، لأن استمرار رواتب موظفين وهميين لسنوات يعني وجود خلل في أكثر من مرحلة: التعيين، تدقيق المستمسكات، فتح الملف الوظيفي، إدخال البيانات، إطلاق الراتب، والتوطين المصرفي.
ولهذا فإن الوصول إلى الأشخاص الذين تسلموا الأموال لا يكفي وحده، ما لم تتم مراجعة كامل السلسلة الإدارية التي سمحت بمرور الأسماء من مرحلة إلى أخرى دون اكتشافها.
كما أن دخول مؤسسة مصرفية ومديرية حكومية تعليمية في مسار التحقيق، وفق ما تضمنته الوثائق، يرفع مستوى القضية من فساد داخل دائرة واحدة إلى احتمال وجود شبكة مصالح متعددة الحلقات، وهو ما يتطلب تحقيقاً قضائياً واسعاً لتحديد من خطط، ومن زور، ومن مرر، ومن استفاد مالياً.
تنظيف ملف الرواتب قبل أن يتحول إلى نزيف دائم
ويبرز في القضية جانب آخر يتعلق بقدرة المؤسسات الحكومية على استخدام البيانات والتقنيات الحديثة لاكتشاف الموظفين الوهميين قبل سنوات من اكتشافهم بالطرق التقليدية.
فربط قواعد بيانات الموظفين مع السجلات المدنية والمصرفية والتعليمية والحضور الوظيفي يمكن أن يجعل إنشاء «موظف فضائي» أكثر صعوبة، ويكشف التناقضات بين الاسم والهوية والمؤهل والدوام والراتب.
وبالتالي، فإن قيمة هذا الملف لا تتوقف عند استرداد الأموال التي يُثبت القضاء أنها صرفت بصورة غير قانونية، وإنما في كشف الثغرات التي سمحت بحدوثها وإغلاقها نهائياً.
فالـ549 اسماً تمثل، وفق الوثائق، عنواناً لملف أكبر من مجرد أسماء وهمية؛ إنها اختبار لمنظومة الرقابة الحكومية بأكملها، ولقدرة الدولة على حماية الرواتب العامة من التلاعب، ومحاسبة كل من ساهم في تحويل المال العام إلى مصدر منفعة غير مشروعة.









