حرية
أعلنت وزارة الداخلية العراقية اتخاذ إجراءات قانونية بحق نحو 8 آلاف ضابط ومنتسب وموظف مدني منذ بداية العام الحالي، على خلفية مخالفات وجرائم مرتبطة بالوظيفة العامة، في رقم يعكس اتساع نطاق الإجراءات الرقابية داخل واحدة من أكبر مؤسسات الدولة.
وقال رئيس دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية، اللواء مقداد ميري، إن الإجراءات القانونية شملت منتسبين من مختلف الرتب والاختصاصات، مشيراً إلى أن المخالفات تراوحت بين الرشوة والاستغلال الوظيفي والإهمال والاختلاس والسرقة وانتحال الصفة.
وشملت الملفات أيضاً قضايا تتعلق بالهدر في المال العام والنصب والاحتيال والتهريب والابتزاز وتسريب الوثائق، فضلاً عن مخالفات أخرى وضبط عدد من المعقبين، بحسب البيان.
ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة صدور أحكام قضائية بحق جميع المشمولين بالإجراءات، إذ إن اتخاذ الإجراءات القانونية أو فتح التحقيق لا يعني ثبوت الإدانة، وإنما يمثل جزءاً من المسار القانوني للتحقق من المخالفات وتحديد المسؤوليات.
مكافحة الفساد تبدأ من المؤسسة الأمنية
وتكتسب الإجراءات أهمية خاصة نظراً لطبيعة عمل وزارة الداخلية وارتباطها المباشر بإنفاذ القانون وحماية المواطنين، إذ إن وجود مخالفات داخل الأجهزة المكلفة بمكافحة الجريمة والفساد يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على ثقة الجمهور بالمؤسسات الأمنية.
وتقول الوزارة إن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون فعالة إذا اقتصرت على ملاحقة المخالفين خارج المؤسسة، مؤكدة أن عملية الإصلاح يجب أن تبدأ من داخل الجهاز نفسه، من خلال الرقابة والمحاسبة وتطبيق القانون على الموظف والمسؤول من دون تمييز.
ويشير تنوع المخالفات المعلنة، من الرشوة والاختلاس إلى الابتزاز وتسريب الوثائق، إلى أن التحدي لا يرتبط بنوع واحد من التجاوزات، بل يمتد إلى سلوكيات يمكن أن تؤثر في كفاءة المؤسسة وأدائها وسمعتها.
الرقم الكبير يطرح سؤال الرقابة
ويطرح إعلان نحو 8 آلاف إجراء قانوني منذ بداية العام تساؤلات أوسع بشأن حجم منظومة الرقابة الداخلية وقدرتها على اكتشاف المخالفات قبل تحولها إلى جرائم أو أضرار مالية وإدارية.
وفي المقابل، يمكن قراءة الرقم من زاوية مختلفة؛ إذ قد يعكس توسع أجهزة التفتيش والرقابة في رصد المخالفات ورفع مستوى المساءلة داخل الوزارة، وهو ما يجعل تقييم النتائج مرتبطاً بما ستؤول إليه هذه الملفات من تحقيقات وأحكام وإجراءات إصلاحية.
فالمعيار الحقيقي لا يكمن في عدد الموظفين الذين شملتهم الإجراءات وحده، وإنما في قدرة الوزارة على ضمان عدم تكرار المخالفات، واسترداد الأموال في قضايا الفساد، ومحاسبة المتورطين، وسد الثغرات التي تسمح باستغلال الوظيفة العامة.
وأكدت وزارة الداخلية أنها لن تتهاون مع أي شخص يسيء إلى الوظيفة أو يستغل موقعه، بصرف النظر عن رتبته أو صفته، وأن القانون سيطبق على الجميع دون استثناء.
وبذلك، تتحول هذه الإجراءات من مجرد أرقام معلنة إلى اختبار حقيقي لجدية الإصلاح داخل المؤسسة الأمنية: هل تنجح الوزارة في تحويل الملاحقة القانونية من رد فعل على المخالفات إلى منظومة وقائية تمنع وقوعها أساساً؟ فالانضباط الأمني لا يقاس فقط بقدرة رجل الشرطة على فرض القانون على الآخرين، وإنما أيضاً بمدى التزام المؤسسة نفسها بالقانون الذي تطبقه.







