رغد بنت زيد
حين تتحدث طهران عن “وحدة المسلمين” فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن جمال المصطلح ولا عن أهمية الوحدة في مواجهة التحديات بل عن الغاية السياسية التي تقف خلف هذا الخطاب: هل تريد إيران فعلاً بناء مساحة تضامن إسلامي متكافئة بين الدول أم أنها تحاول إعادة تقديم نفوذها الإقليمي تحت عنوان أكثر قبولاً في الشارع الإسلامي؟
رسالة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بمناسبة أسبوع الوحدة الإسلامية جاءت في توقيت شديد الحساسية وسط منطقة تعيش على وقع صراعات مفتوحة وحسابات نفوذ متشابكة وفي ظل تراجع واضح في قدرة بعض القوى الإقليمية على فرض أجنداتها بالطريقة التي اعتادت عليها خلال السنوات الماضية.
خامنئي دعا حكام الدول الإسلامية ولا سيما دول غرب آسيا والخليج إلى إدراك ما وصفه بـ«مخططات أعداء الأمة» وإلى التنسيق والتعاون في مواجهة هذه المخططات. للوهلة الأولى تبدو الدعوة طبيعية بل مطلوبة في منطقة أنهكتها الحروب والتدخلات والصراعات. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوحدة من مفهوم يقوم على الندية والسيادة المتبادلة إلى أداة سياسية لإعادة ترتيب النفوذ.
فإيران ليست دولة بعيدة عن المشهد الذي تتحدث عنه بل هي واحدة من أبرز اللاعبين فيه. لديها مصالح مباشرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج ولديها شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية مع قوى وفصائل مختلفة في المنطقة. ولذلك فإن الحديث عن «التنسيق الإسلامي» لا يمكن فصله عن سؤال أكبر: من سيقود هذا التنسيق ومن سيحدد أولوياته وهل ستكون الدول المشاركة فيه شركاء متساوين أم ساحات نفوذ؟
وهنا تكمن المفارقة.
إيران تقول إن الانقسام يخدم أعداء المسلمين وهذا صحيح من حيث المبدأ لكنها في الوقت ذاته مطالبة بالإجابة عن سؤال لا يمكن تجاوزه: هل تعني الوحدة أن تحترم كل دولة قرار الدولة الأخرى وسيادتها وحدودها ومؤسساتها أم أن الوحدة تعني اصطفافاً سياسياً وأمنياً خلف رؤية إقليمية واحدة؟
إذا كانت طهران تريد وحدة حقيقية فإن الطريق إليها لا يبدأ بالشعارات بل بسياسة حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم تحويل الملفات الداخلية للدول العربية إلى أوراق نفوذ إقليمي.
العراق تحديداً يمثل الاختبار الأصعب لهذا الخطاب.
فالعراق لا يريد أن يكون جزءاً من صراع المحاور ولا يريد أن يتحول إلى جسر لتمرير أجندة أي دولة سواء كانت إيران أو الولايات المتحدة أو غيرهما. بغداد تريد علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة لا على التبعية السياسية أو الأمنية.
ومن هنا فإن أي حديث عن «وحدة إسلامية» يمر عبر العراق يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن قرار العراق يجب أن يكون عراقياً وسلاحه يجب أن يكون بيد الدولة وعلاقاته الخارجية يجب أن تحددها مؤسساته الدستورية.
ولا يمكن أن تكون الوحدة الإسلامية غطاءً لبقاء قوى مسلحة خارج سلطة الدولة كما لا يمكن أن تكون ذريعة لإدامة نفوذ سياسي عابر للحدود.
الأكثر إثارة في الخطاب الإيراني أن طهران تستخدم باستمرار مفردات مثل (مواجهة الأعداء والمؤامرات والتضامن الإسلامي). وهذه اللغة تجد صدى واسعاً في منطقة عانت طويلاً من التدخلات الخارجية. لكن المشكلة أن تحويل كل خلاف سياسي إلى مواجهة بين “الأمة و أعدائها” يختزل التعقيدات الحقيقية للمنطقة ويجعل أي اعتراض على السياسة الإيرانية يبدو وكأنه اعتراض على الإسلام نفسه.
وهذه معادلة خطرة سياسياً.
فالدول العربية والإسلامية ليست مطالبة بالاختيار بين واشنطن وطهران كما أنها ليست مطالبة بالدخول في محور مقابل محور. مصلحتها الحقيقية تكمن في بناء نظام إقليمي يحترم السيادة ويمنع استخدام أراضي الدول كساحات صراع ويضع مصالح الشعوب قبل حسابات القوى الكبرى.
أما إيران فإذا كانت جادة في دعوتها إلى الوحدة فعليها أن تقدم نموذجاً مختلفاً: علاقات متوازنة مع الجيران احترام سيادة الدول دعم مؤسسات الدولة وعدم ربط الأمن الإقليمي بشبكات نفوذ عابرة للحدود.
عندها فقط يمكن أن تتحول «الوحدة الإسلامية» من خطاب سياسي إلى مشروع حقيقي.
أما إذا بقيت الوحدة تعني أن تتفق دول المنطقة مع طهران في رؤيتها للصراعات أو أن تتبنى أولوياتها الأمنية والسياسية أو أن تتحول إلى جزء من منظومة نفوذها فإن المسألة لن تكون وحدة بقدر ما ستكون إعادة تدوير لمشروع النفوذ الإقليمي تحت عنوان ديني وسياسي أكثر جاذبية.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه عواصم المنطقة اليوم ليس: هل نحن مع الوحدة أم ضدها؟
السؤال الأكثر صراحة هو: وحدة على أي أساس؟ وبأي شروط؟ ومن يملك القرار؟
فالوحدة التي تقوم على السيادة والندية والمصالح المشتركة مرحب بها أما الوحدة التي تطلب من الآخرين التخلي عن استقلال قرارهم لصالح قوة إقليمية فهي ليست وحدة بل إعادة إنتاج للنفوذ تحت عنوان جديد.
وإذا كانت إيران تريد فعلاً فتح صفحة جديدة مع محيطها فإن أفضل رسالة يمكن أن تقدمها ليست خطاباً جديداً عن «أعداء الأمة» بل خطوات عملية تثبت أن الجوار بالنسبة إليها شراكة لا ساحة نفوذ وأن العراق دولة لا ورقة وأن الخليج منطقة مصالح مشتركة لا ميدان صراع وأن السيادة ليست شعاراً يرفع عندما يخدم السياسة ويسقط عندما تتعارض المصالح.
في النهاية المنطقة لا تحتاج إلى محور جديد بقدر ما تحتاج إلى نظام إقليمي جديد نظام لا يسمح لأي قوة مهما كان حجمها بأن تتحدث باسم الجميع أو أن تجعل أمن الآخرين جزءاً من أمنها الخاص.
وهنا سيظهر الاختبار الحقيقي لطهران: هل تريد وحدة المسلمين فعلاً أم تريد وحدة المنطقة حول نفوذها؟







