حرية
أعاد النائب يوسف الكلابي ملف الأراضي الزراعية وتغيير جنسها إلى واجهة الاهتمام السياسي والقانوني، محمّلاً ما وصفها بـ«عصابات الأراضي» مسؤولية تفاقم التجاوزات وتحول مناطق في جنوب بغداد، بينها الدورة والبوعيثة وعرب جبور، إلى بؤر سكنية وعقارية خارج الأطر القانونية.
وتأتي مواقف الكلابي على خلفية الأحداث الأمنية الدامية التي رافقت تنفيذ إجراءات إزالة التجاوزات في تلك المناطق، والتي انتهت بمقتل مدير شرطة أمانة بغداد وعدد من المنتسبين، الأمر الذي دفع إلى طرح تساؤلات أوسع بشأن الجهات التي سمحت بتراكم هذه المخالفات وتحولها من تجاوزات محدودة إلى واقع سكاني وعمراني يصعب التعامل معه أمنياً وقانونياً.
وقال الكلابي إن ما جرى لا ينبغي أن يمر من دون محاسبة، مشيراً إلى أن التحذيرات من نشاط ما وصفها بـ«عصابات الأراضي» سبق أن طرحت مراراً، وأن هذه الجهات تعمل، بحسب قوله، على السيطرة على الأراضي الزراعية من خلال الرشى والتجاوزات، ثم تجريفها وتقسيمها وبيعها.
وطالب الكلابي رئيس مجلس الوزراء وهيئة النزاهة الاتحادية بفتح تحقيق عاجل في ملف الأراضي الزراعية، والكشف عن الجهات التي تقف وراء عمليات التجريف والتقسيم والبيع، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو مساهمته في هذه التجاوزات.
ولا يضع الكلابي المسؤولية عند حدود الأشخاص الذين يشغلون الأراضي أو يشيدون عليها، بل يلفت إلى وجود منظومة أوسع استفادت من الفوضى العقارية، وهو ما يجعل التحقيق المطلوب يتجاوز إزالة الأبنية المخالفة إلى البحث في كيفية وصول الأراضي الزراعية إلى مرحلة التقسيم والبيع وتحولها إلى مناطق سكنية واسعة.
من حوّل الأرض الزراعية إلى مدينة؟
السؤال الذي يفرض نفسه بعد طرح الكلابي هو: إذا كانت هذه الأراضي زراعية، فمن الذي سمح بتحويلها إلى تجمعات سكنية؟
فالمدن لا تظهر بين ليلة وضحاها، وإنما تحتاج إلى سنوات من عمليات التجريف والتقسيم والبناء وإيصال الخدمات والتعاملات العقارية. وهذا يعني أن البحث عن المسؤولية لا يمكن أن يقتصر على المواطن الذي اشترى أو بنى، بل يجب أن يصل إلى الجهات والأشخاص الذين مهدوا لهذه العمليات أو تغاضوا عنها أو استفادوا منها.
ومن هنا تكتسب دعوة الكلابي إلى فتح ملف شامل أهمية خاصة، لأن المعالجة الأمنية وحدها لن تنهي المشكلة إذا بقيت شبكات تقسيم الأراضي وبيعها خارج القانون قادرة على العمل.
البوعيثة والدورة.. نتيجة وليستا بداية
تكشف الأحداث الأخيرة أن مشكلة الأراضي الزراعية لم تعد قضية تنظيم عمراني فقط، بل أصبحت ملفاً يتقاطع فيه العقار مع الفساد والنفوذ والأمن.
فحين يتحول التجاوز إلى منطقة سكنية واسعة، ثم يصبح التعامل معه مرتبطاً بأوامر قضائية وقوات أمنية وحملات إزالة، فإن الدولة تكون قد وصلت إلى المرحلة الأخيرة من المشكلة، بعد أن فشلت في منعها خلال مراحلها الأولى.
ولهذا فإن جوهر قضية الكلابي لا يتعلق فقط بمنع التجاوزات الجديدة، وإنما بكشف من سمح بالتجاوزات القديمة حتى تحولت إلى أمر واقع.
المطلوب تحقيق لا حملة إزالة
المعالجة الحقيقية، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن تتوقف عند إزالة منزل أو تجريف قطعة أرض.
المطلوب أولاً حصر جميع الأراضي التي جرى تغيير استخدامها، وتحديد ملكياتها، وكشف عمليات التقسيم والبيع التي تمت عليها، ومراجعة الجهات التي تعاملت معها، ثم تحديد ما يمكن تسوية وضعه قانونياً وما يجب إعادته إلى الاستخدام المقرر له.
وفي الوقت نفسه، فإن أي حديث عن معالجة قانونية يجب ألا يتحول إلى مكافأة لمن صنع التجاوزات واستفاد منها، لأن تسوية أوضاع بعض المناطق لا تعني إسقاط المسؤولية عن الجهات التي ساهمت في تحويل الأراضي الزراعية إلى سوق عقارية خارج القانون.
السؤال الذي طرحه الكلابي أخطر من حادثة واحدة
تكمن أهمية موقف الكلابي في أنه ينقل النقاش من سؤال: «كيف نزيل التجاوز؟» إلى سؤال أكبر: «من يقف خلف منظومة التجاوزات؟»
وهذا السؤال هو الذي ينبغي أن يكون محور التحقيق.
فإذا كانت هناك جهات تتولى تجريف الأراضي وتقسيمها وبيعها، كما يقول الكلابي، فإن الوصول إليها ومحاسبتها أهم من معالجة النتائج فقط.
أما ترك جذور المشكلة من دون كشف، فيعني أن الدورة والبوعيثة وعرب جبور قد لا تكون سوى نماذج لما يمكن أن يحدث في مناطق أخرى.
وبالتالي، فإن حادثة البوعيثة يجب ألا تكون خاتمة ملف الأراضي الزراعية، بل نقطة انطلاق لتحقيق يكشف كيف تحولت أراضٍ زراعية إلى أحياء سكنية، ومن استفاد من ذلك، ومن سهّل العملية، ولماذا وصلت الدولة إلى مرحلة أصبح فيها تنفيذ القانون نفسه محفوفاً بخطر المواجهة والدم.
فالكلابي، من خلال حديثه عن «عصابات الأراضي» ودعوته إلى فتح الملف، يضع الدولة أمام اختبار واضح: إما أن تكشف المنظومة التي صنعت التجاوزات، أو تواصل معالجة نتائجها بعد وقوع الكارثة.







