حرية
من السماعات إلى انتحال الصفة.. الأمن الوطني يضبط 35 مخالفة خلال امتحانات الدور الثاني
لم تعد محاولات الغش في امتحانات الدور الثاني مجرد مخالفات فردية داخل القاعات الدراسية، بعدما كشفت عمليات جهاز الأمن الوطني عن نشاطات منظمة امتدت من تصنيع أدوات الغش الإلكتروني إلى انتحال صفات الطلبة والاتجار الوهمي بالدرجات، في مشهد يضع نزاهة الامتحانات أمام اختبار أمني وقانوني حقيقي.
فخلال الامتحانات الحالية، تمكن جهاز الأمن الوطني من ضبط 35 مخالفة متنوعة في بغداد وعدد من المحافظات، ضمن عمليات استخبارية وميدانية تهدف إلى حماية الامتحانات والحفاظ على رصانتها.
ورشة سرية لصناعة أدوات الغش
وفي البصرة، كشفت مفارز الجهاز عن ورشة سرية داخل منزل شمال المحافظة مخصصة لصناعة سماعات ومستلزمات الغش الإلكتروني، وألقت القبض على متهمين اثنين كانا يديران الورشة.
وضبطت القوات أجهزة ومعدات وأسلاكاً مخصصة لعمليات الغش، في مؤشر يكشف أن بعض محاولات التلاعب بالامتحانات تجاوزت حدود الطالب الذي يحاول تمرير وسيلة غش إلى نشاط منظم يوفر أدوات الغش لمن يرغب باستخدامها.
وهنا تبرز خطورة مختلفة؛ فوجود ورشة متخصصة يعني أن الغش يمكن أن يتحول إلى سوق صغيرة لها أدواتها ومجهزوها ومستفيدوها، ما يجعل المواجهة الأمنية ضرورة موازية للإجراءات التربوية داخل المراكز الامتحانية.
2000 دولار مقابل «درجات وهمية»
وفي محافظة الأنبار، تمكنت مفارز الجهاز من الإطاحة بمتهم داخل قاعة امتحانية في الفلوجة بالجرم المشهود أثناء تسلمه مبلغ 2000 دولار، مقابل إيهام الطلبة بإمكانية رفع درجاتهم.
وتكشف هذه الواقعة عن وجه آخر أكثر خطورة، يتمثل في تحويل حاجة بعض الطلبة إلى النجاح إلى فرصة للاستغلال المالي، عبر أشخاص يدّعون امتلاك القدرة على التأثير في النتائج.
فالمشكلة هنا لا تتعلق بالغش وحده، وإنما بوجود محاولات لتحويل العملية الامتحانية إلى مجال للابتزاز والاحتيال والمتاجرة بأحلام الطلبة وعائلاتهم.
انتحال صفة وغش إلكتروني
وفي الرمادي، ألقت القوات القبض على طالبين بتهمة انتحال صفة آخرين لأداء الامتحانات، فيما رصدت في كركوك حالتي غش إلكتروني باستخدام أجهزة سماعات وترددات داخل المراكز الامتحانية.
وتشير هذه الوقائع إلى تنوع أساليب التحايل على الامتحانات، من الوسائل التقليدية إلى تقنيات إلكترونية أكثر تعقيداً، الأمر الذي يفرض على الجهات المختصة تطوير أدوات الكشف والمراقبة بالتوازي مع تطور وسائل الغش.
المعاهد غير المجازة تحت الرقابة
ولم تقتصر الإجراءات على قاعات الامتحانات، إذ نفذت مفارز جهاز الأمن الوطني حملات مشتركة أسفرت عن غلق عدد من معاهد التدريس الخصوصي غير المجازة في ديالى وكركوك، فضلاً عن غلق أربعة معاهد غير مجازة غربي بغداد.
وهذه الخطوة تحمل دلالة مهمة، لأن مواجهة الغش لا تبدأ لحظة دخول الطالب إلى قاعة الامتحان، وإنما تمتد إلى البيئة المحيطة بالعملية التعليمية، خصوصاً عندما تعمل جهات تعليمية خارج الأطر القانونية والرقابية.
الامتحان ليس ورقة.. بل ثقة
ورغم أن بعض المخالفات قد تبدو محدودة من حيث العدد، فإن خطورتها الحقيقية تكمن في تأثيرها على تكافؤ الفرص بين الطلبة.
فالطالب الذي يدخل الامتحان مستنداً إلى دراسته واستعداده يجب أن يقف على قدم المساواة مع الآخرين، وأي محاولة لشراء درجة أو انتحال شخصية أو استخدام وسائل إلكترونية للتحايل تعني عملياً ضرب مبدأ العدالة الذي تقوم عليه العملية الامتحانية.
والأخطر من ذلك أن انتشار مثل هذه الممارسات يمكن أن يخلق اعتقاداً خطيراً بأن النجاح يمكن شراؤه أو تزويره أو التحايل عليه، وهو ما ينعكس مستقبلاً على قيمة الشهادة وثقة المجتمع بالمؤسسات التعليمية.
الأمن الوطني يوسع دائرة المواجهة
وتظهر العمليات التي أعلن عنها الجهاز أن التعامل مع الغش لم يعد مقتصراً على ضبط الطالب داخل القاعة، وإنما اتسع ليشمل مصادر تجهيز أدوات الغش، والوسطاء، ومحاولات الاحتيال، والمعاهد غير المجازة.
وهذا التحول يعكس فهماً أمنياً مفاده أن بعض المخالفات تحتاج إلى تفكيك الحلقة كاملة، وليس الاكتفاء بضبط النتيجة النهائية داخل المركز الامتحاني.
ومع تأكيد جهاز الأمن الوطني استمرار عملياته طوال فترة الامتحانات، فإن الرسالة الأوضح التي تحملها هذه الإجراءات هي أن الامتحان مساحة للعلم وليست سوقاً للغش، والدرجة لا تُشترى بالدولار، والشهادة لا تُنتزع بانتحال الصفة أو بالسماعات السرية.
وفي النهاية، فإن الحفاظ على رصانة الامتحانات لا يمثل مسؤولية وزارة التربية وحدها، بل هو مسؤولية أمنية وقانونية ومجتمعية مشتركة، لأن حماية الامتحان تعني في جوهرها حماية مبدأ تكافؤ الفرص ومستقبل الطالب وثقة المجتمع بالشهادة العراقية.













