حرية
كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، نقلاً عن معلومات سمحت الرقابة العسكرية بنشرها بعد 18 عاماً، أن إسرائيل تقف خلف اغتيال الجنرال السوري محمد سليمان، الذراع اليمنى للرئيس السابق بشار الأسد والمسؤول عن إدارة المشروع السري لبناء المفاعل النووي السوري، وبقيت تفاصيل العملية طوال 18 عاماً محصورة في تقارير أجنبية، من دون أن تتبنّى إسرائيل رسمياً مسؤوليتها عنها.
وكان سليمان من أبرز المقربين إلى الأسد، كما تولى مهمة التنسيق مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله. وجاء اغتياله في آب 2008، بعد نحو 9 أشهر من تدمير سلاح الجو الإسرائيلي المفاعل النووي السوري، الذي بناه خبراء كوريون شماليون في صحراء دير الزور تحت غطاء مشروع زراعي.
ووفق الرواية الإسرائيلية التي سُمح بنشرها، سبق عملية الاغتيال تعقّب نفذه عناصر من الموساد، تمكنوا خلاله من جمع معلومات دقيقة عن تحركات سليمان وروتينه اليومي.
وفي يوم الجمعة 1 آب 2008، عاد سليمان من منطقة المفاعل المدمر في دير الزور، حيث كان يشرف على أعمال طمس الأدلة وبقايا المواد المشعة، في محاولة لخداع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتمسك بالرواية السورية القائلة إن دمشق لم تكن تحاول تطوير سلاح نووي.
وعندما علمت الاستخبارات الإسرائيلية أن سليمان سيتوجه إلى منزله المطلّ على البحر في طرطوس بدلاً من العودة إلى مكتبه في دمشق، أبحرت قطعة بحرية إسرائيلية إلى محاذاة الساحل السوري.
ونزل عناصر من الوحدة البحرية الخاصة “شاييطت 13” إلى الشاطئ، فيما تمركز قناصة من الوحدة نفسها ومن وحدة “سييرت متكال” على سطح مبنى قريب من منزل سليمان. وعندما وصل الجنرال السوري لتناول العشاء برفقة زوجته وصديقين، أطلق القناصة النار عليه وأردوه قتيلاً، من دون إصابة زوجته أو ضيفيه.
وبعد تنفيذ العملية، عاد العناصر إلى القطعة البحرية وأبحروا باتجاه قاعدتهم في حيفا، فيما سارع الأسد إلى إصدار أوامر بدفن سليمان سراً لمنع وصول خبر مقتله إلى الرأي العام السوري.
وظهرت تفاصيل العملية أخيراً في كتاب جديد لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت، بعنوان “أريزونا كلّنا – القصة الكاملة وراء مهاجمة المفاعل النووي”، بعدما أجازت الرقابة العسكرية نشر مضمونه.
ويتضمن الكتاب تفاصيل جديدة عن كواليس التحضير لضرب المفاعل السوري، والصراع السياسي الذي دار بين أولمرت، الذي كان رئيساً للحكومة آنذاك، ووزير دفاعه إيهود باراك، الذي تسلّم منصبه خلفاً لعمير بيرتس بعد حرب لبنان الثانية.
وفي كشف آخر، كتب أولمرت أن عماد مغنية، القائد العسكري في حزب الله وضابط الارتباط مع الحرس الثوري الإيراني، لم يخضع لأي عملية تجميل، خلافاً لما تردد طوال سنوات، بل إن الاستخبارات الإسرائيلية لم تكن تعرف ببساطة كيف أصبح شكله.
لكن عملاء الموساد تمكنوا لاحقاً من تصوير مغنية لدى وصوله إلى دمشق برفقة زوجته وابنه، وهي الصورة التي تحولت، وفق أولمرت، إلى “الدليل الذهبي” الذي أتاح التعرف إليه تمهيداً لاغتياله.
وبعد مدة، نُفذت العملية المشتركة بين الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “CIA”. وبحسب الكتاب، وصل مغنية في نهاية كانون الثاني 2008 إلى شقته السرية في دمشق للقاء عشيقته، وهي راقصة شرقية سورية.
وكان الموساد ووكالة الاستخبارات الأميركية قد فخخا مسبقاً سيارة رباعية الدفع متوقفة قرب الشقة. لكن الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش وضع شرطاً صارماً يقضي بألا يُقتل سوى مغنية، وألا يصاب أي شخص آخر، ولا سيما المدنيين.
ويكتب أولمرت أن رئيس الموساد آنذاك مائير داغان كان يحمل حساباً قديماً مع مغنية. ففي بداية ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان مغنية من حراس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، أوقفه داغان، الذي كان حينها برتبة عقيد وقائداً لوحدة الارتباط في لبنان، لكنه أمر لاحقاً بإطلاق سراحه معتقداً أنه شخصية هامشية.
وانضم مغنية لاحقاً إلى حزب الله، قبل أن يتحول، وفق تعبير التقرير، إلى أحد أبرز المطلوبين في العالم، وتضع الولايات المتحدة مكافأة مالية كبيرة مقابل الوصول إليه.
وعندما غادر مغنية شقته ليلاً، تعرفت إليه ضابطتان في الموساد بصورة مؤكدة استناداً إلى الصورة التي حصل عليها الجهاز سابقاً. ومن غرفة قيادة الموساد، حيث كان يجلس أيضاً ممثلون عن “CIA”، صدرت إشارة التنفيذ، فقُتل مغنية وحارسه.
وقبل ساعات من العملية، زار شقة مغنية كل من محمد سليمان وقائد “فيلق القدس” قاسم سليماني، الذي كانت واشنطن تتهمه بالوقوف خلف عمليات أوقعت مئات القتلى الأميركيين. لكن التعليمات التي وضعها بوش منعت استهدافهما خلال اللقاء نفسه في دمشق.
وقال أولمرت إنه كان أثناء تنفيذ عملية اغتيال مغنية على متن طائرة عائداً من اجتماع مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل. وأعرب عن اعتقاده بأنه لو تمكن من التواصل مباشرة مع بوش، لنجح في إقناعه بالموافقة منذ ذلك الوقت على اغتيال محمد سليمان وقاسم سليماني.
ونُفذ اغتيال محمد سليمان بعد أشهر في طرطوس، فيما اغتالت الولايات المتحدة قاسم سليماني عام 2020 أثناء وجوده في بغداد.
وكشف أولمرت أيضاً أنه بعد تدمير المفاعل النووي السوري، حاول عناصر الموساد خطف إبراهيم عثمان، رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية، الذي كان تحت مراقبة الجهاز الإسرائيلي لسنوات.
وبحسب منشورات أجنبية، تعقّب عناصر الموساد عثمان واقتحموا شقته وغرفته في أحد فنادق فيينا، بحثاً عن أدلة تثبت أن سوريا كانت تبني مفاعلاً نووياً.
وخلال إحدى عمليات الاقتحام، ترك عثمان هاتفه داخل الغرفة، فاستولى عليه عناصر الموساد بقيادة تمير باردو واستخرجوا المعلومات المحفوظة داخله. وبعد تحليل الملفات، عُثر على صور من داخل المفاعل، إضافة إلى صورة لخبير كوري شمالي.
لكن الاستخبارات الإسرائيلية أرادت معرفة كيف تمكنت سوريا وكوريا الشمالية طوال سنوات من بناء مفاعل لم تكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية تعلم بوجوده. لذلك، أمر داغان بإعداد عملية لخطف عثمان والتحقيق معه، بقيادة يوسي كوهين ورام بن باراك.
وبعدما تبيّن أن تنفيذ الخطف غير ممكن، تقرر اللجوء إلى محاولة تجنيد مباشر. فتوجه كوهين إلى منزل عثمان في فيينا وطرق بابه طالباً التحدث إليه، إلا أن المسؤول السوري أجابه: “أنا أعرف من أنت”، قبل أن يرفض الحديث معه ويغلق الباب.
ويعرض الكتاب أيضاً العلاقة المتقلبة بين أولمرت وباراك. ويقول أولمرت إن وزير الدفاع طلب مراراً تأجيل ضرب المفاعل السوري، ربما أملاً في استقالة أولمرت تحت وطأة تداعيات حرب لبنان الثانية وتقرير لجنة القاضي إلياهو فينوغراد، بما كان سيتيح لباراك، وفق تقديره، الحصول على كامل المجد.
ورغم الانتقادات التي يوجهها أولمرت إلى باراك، فإنه يشيد به في مواضع أخرى، لافتاً إلى أنه صوّت في نهاية المطاف لمصلحة تنفيذ الضربة.
وبذلك، تكشف إسرائيل للمرة الأولى أن عملية طرطوس لم تكن حادثاً غامضاً أو تصفية داخلية، بل اغتيالاً إسرائيلياً مخططاً استهدف أحد أقرب رجال الأسد بعد مشاركته في إدارة المشروع النووي السوري وارتباطه بإيران وحزب الله.







