حرية
أكدت وزارة الداخلية العراقية، اليوم الاثنين، عدم وجود أي تعليمات لفرض حظر تجوال شامل في البلاد بالتزامن مع اقتراب المواعيد المرتبطة بملف حصر السلاح بيد الدولة، نافيةً الأنباء المتداولة بشأن دراسة هذا الإجراء كخطة احترازية.
وقال رئيس دائرة العلاقات والإعلام في الوزارة، اللواء مقداد ميري، خلال مؤتمر صحفي للجنة الوطنية الدائمة لتنظيم الأسلحة وحصرها بيد الدولة، إن الحديث عن حظر التجوال «غير صحيح»، موضحاً أن ما جرى سابقاً كان ضمن إجراءات فنية واحترازية، ولا توجد حالياً أي تعليمات بهذا الشأن.
وكشف ميري عن تطور لافت في عمل اللجنة، يتمثل بإنشاء بنك معلومات يتضمن بيانات نحو 6 ملايين قطعة سلاح في عموم العراق، ضمن المرحلة الأولى من مشروع تنظيم السلاح.
وأوضح أن عمل اللجنة يمر بأربع مراحل، تبدأ بإعداد قاعدة البيانات وإنشاء بنك المعلومات، ثم تسجيل أسلحة المواطنين، تليها إجراءات الضبط والتفتيش، وصولاً إلى مرحلة تحقيق الأمن والتنمية المستدامة، مشيراً إلى أن الخطة الكاملة يفترض أن تمتد حتى عام 2030.
71 مقراً وهمياً و119 محلاً للسلاح
وفي مؤشر على انتقال حملة تنظيم السلاح من التسجيل إلى إجراءات الرقابة، أعلنت الوزارة إغلاق 71 مقراً وهمياً ادعت ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي، إضافة إلى إغلاق 119 محلاً لبيع الأسلحة، بينها محال انتهت إجازاتها.
كما بلغ عدد إجازات حمل وحيازة الأسلحة الممنوحة للمواطنين 160 ألفاً و759 إجازة، فيما تم تسجيل أكثر من نصف مليون قطعة سلاح ضمن طلبات تسجيل أسلحة المواطنين، بحسب البيانات المعلنة في المؤتمر.
وأشارت الوزارة كذلك إلى سحب 55 ألفاً و264 قطعة سلاح كانت بعهدة الوزارات المدنية ونقلها إلى عهدة وزارة الداخلية، فضلاً عن متابعة أكثر من 143 ألف قطعة سلاح مسروقة، وضبط 21 ألفاً و224 قطعة سلاح مرتبطة بشركات أمنية خاصة.
لماذا نفت الداخلية حظر التجوال؟
يأتي نفي الوزارة في توقيت حساس، مع انتشار معلومات عن استعدادات أمنية واسعة بالتزامن مع المراحل المقبلة من مشروع حصر السلاح.
لكن المعطيات المعلنة من الداخلية تشير إلى أن الدولة تتجه حالياً نحو الإدارة الفنية والتنظيمية للملف بدلاً من التعامل معه باعتباره أزمة أمنية تستدعي إجراءات جماعية مثل حظر التجوال.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن فرض حظر شامل في بلد بحجم العراق سيكون إجراءً استثنائياً ذا كلفة سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، وقد يعطي انطباعاً بأن الحكومة تتوقع مواجهة داخلية مع الجهات الرافضة لخطة حصر السلاح.
أما نفي وجود مثل هذه التعليمات، فيعكس محاولة واضحة لاحتواء الشائعات ومنع تحويل ملف تنظيم السلاح إلى حالة هلع أمني.
من «جمع السلاح» إلى بناء قاعدة بيانات
اللافت في إعلان الداخلية أن المشروع لم يعد يُطرح باعتباره عملية لمصادرة الأسلحة فحسب، وإنما باعتباره منظومة لإدارة السلاح وملاحقته منذ لحظة تسجيله وحتى تحديد الجهة الحائزة له.
وهذا تحول مهم؛ فوجود قاعدة بيانات لملايين قطع السلاح يسمح للدولة مستقبلاً بربط السلاح بمالكه ومكان وجوده ونوعه ووضعه القانوني، وبالتالي يصبح السلاح غير المسجل قابلاً للتعقب بوصفه سلاحاً خارج الإطار القانوني.
كما أعلنت الوزارة أن مهلة تسجيل الأسلحة مستمرة حتى 31 كانون الأول 2026، وأن السلاح غير المسجل بعد انتهاء المهلة سيعامل باعتباره خارج القانون. (أناضول)
المقرات الوهمية.. الوجه الآخر للملف
إغلاق 71 مقراً يدعي الارتباط بالحشد يحمل دلالة تتجاوز قضية السلاح نفسه.
فالسلطة هنا لا تحاول فقط معرفة «من يملك السلاح؟»، وإنما أيضاً من يملك الحق في استخدام الصفة الأمنية والعسكرية؟
وهذا يضع ملف انتحال الصفات والمقرات غير الرسمية في قلب مشروع حصر السلاح، خصوصاً أن استخدام اسم مؤسسة أمنية رسمية يمكن أن يوفر غطاءً لممارسة النفوذ أو النشاط التجاري أو فرض الإتاوات أو حيازة السلاح بعيداً عن الرقابة.
الاختبار الأصعب: الفصائل المسلحة
ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة في المرحلة المقبلة هو الانتقال من تنظيم سلاح المواطنين والمحال والمقرات الوهمية إلى التعامل مع السلاح المرتبط بتشكيلات مسلحة ذات نفوذ سياسي وأمني.
وهنا تصبح العملية أكثر تعقيداً؛ لأن نجاح مشروع حصر السلاح لا يقاس بعدد الأسلحة المسجلة أو المقرات المغلقة فقط، بل بقدرة الدولة على تطبيق قاعدة واحدة على جميع حائزي السلاح، بصرف النظر عن انتمائهم أو نفوذهم.
ومن هذه الزاوية، فإن إعلان بنك معلومات يضم 6 ملايين قطعة سلاح يمثل خطوة مؤسسية مهمة، لكن المرحلة الأكثر حساسية ستكون عندما تتحول قاعدة البيانات من سجل إداري إلى أداة فعلية لفرض القانون.
فإذا تمكنت الحكومة من الوصول إلى هذه المرحلة تدريجياً، فإن مشروع حصر السلاح يمكن أن يتحول من شعار سياسي متكرر إلى منظومة أمنية قابلة للقياس والتنفيذ. أما إذا بقي التركيز على تسجيل الأسلحة وإغلاق المقرات الوهمية دون معالجة مصادر السلاح والنفوذ المسلح، فستظل المشكلة قائمة وإن تغيرت طريقة إدارتها.







