حرية
في خطوة تستهدف معالجة أحد أبرز منافذ الهدر والفساد في مؤسسات الدولة، وجّه رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، اليوم الثلاثاء، باعتماد مبدأ التدقيق القبلي للعقود الحكومية قبل توقيعها، معتبراً أن هذا الإجراء يمثل تحولاً من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الوقائية، بما يضمن اكتشاف المخالفات قبل وقوعها وحماية المال العام.
وجاء ذلك خلال زيارة أجراها الزيدي إلى مقر ديوان الرقابة المالية الاتحادي، حيث ترأس اجتماعاً مشتركاً ضم رئيس الديوان ورئيس هيئة النزاهة ووزير المالية، خُصص لبحث آليات تعزيز الرقابة الوقائية وتطوير إجراءات تدقيق العقود الحكومية.
وأكد رئيس الوزراء أن المسؤولية الوطنية تفرض العمل الجاد وتحمل الجميع مسؤولياتهم القانونية، داعياً ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة إلى أداء دور استباقي في كشف الثغرات ومعالجتها قبل أن تتحول إلى ملفات فساد أو هدر للأموال العامة.
فريق متخصص خلال عشرة أيام
ووجّه الزيدي بتشكيل فريق متخصص داخل ديوان الرقابة المالية يتولى مهمة التدقيق القبلي للعقود خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام عمل، مع وضع معايير واضحة تحدد أنواع العقود وقيمها التي تخضع لهذا الإجراء، بما يحقق التوازن بين سرعة تنفيذ المشاريع وفاعلية الرقابة.
وشدد على ضرورة أن تستند العقود الحكومية إلى أسس قانونية وفنية سليمة، وأن تعتمد أسعاراً عادلة ومنطقية، مؤكداً أن تضخيم الكلف يمثل أحد أبرز أبواب الفساد، الأمر الذي يتطلب رقابة دقيقة تمنع المبالغة في الأسعار وتضمن تنفيذ المشاريع وفق المواصفات المتفق عليها.
انتقال من المعالجة إلى الوقاية
وتعكس هذه التوجيهات توجهاً حكومياً جديداً يقوم على منع وقوع المخالفات بدلاً من الاكتفاء بملاحقتها بعد إبرام العقود أو تنفيذ المشاريع، وهو ما يعرف بالرقابة الوقائية، التي تعد إحدى الأدوات المعتمدة في العديد من الدول للحد من الفساد الإداري والمالي.
ويرى مختصون أن غالبية ملفات الفساد الكبرى في العراق بدأت بعقود أُبرمت من دون تدقيق كافٍ، قبل أن تتحول لاحقاً إلى قضايا تحقيق واسترداد أموال، الأمر الذي جعل الرقابة اللاحقة أقل كفاءة في معالجة الضرر بعد وقوعه.
رسالة إلى المؤسسات الرقابية
وأكد الزيدي أن ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة يمثلان “عين الدولة” في حماية المال العام، داعياً إلى ترسيخ ثقافة الرقابة الاستباقية إلى جانب الدور الرقابي التقليدي، بما يعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.
كما شدد على ضرورة تحييد ديوان الرقابة المالية عن أي اعتبارات سياسية أو محاصصة، مؤكداً أن الكفاءة والنزاهة والمهنية والحياد يجب أن تكون المعايير الحاكمة لعمله، مع التزام الحكومة بتوفير الدعم الكامل للديوان وهيئة النزاهة بما يضمن استقلاليتهما وقدرتهما على أداء مهامهما.
إصلاح مالي أم تشديد إداري؟
ويرى مراقبون أن نجاح هذا التوجه سيعتمد على سرعة تنفيذ آليات التدقيق الجديدة، ومدى قدرتها على منع تمرير العقود المبالغ في كلفها دون أن تتحول إلى حلقة بيروقراطية جديدة تؤخر تنفيذ المشاريع الحكومية.
وفي حال تطبيق النظام بكفاءة، فإنه قد يسهم في تقليص الهدر المالي، ورفع جودة المشاريع، وتقليل أعداد ملفات الفساد التي تصل إلى القضاء، عبر منع المخالفات من الأساس بدلاً من ملاحقتها بعد وقوعها.
وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة إجراءات تتبناها الحكومة لتعزيز الحوكمة المالية وإصلاح منظومة التعاقدات الحكومية، في ظل مطالبات متزايدة بإغلاق منافذ الفساد التي استنزفت مليارات الدنانير خلال السنوات الماضية، وتحويل الأجهزة الرقابية من أدوات للمحاسبة اللاحقة إلى مؤسسات فاعلة في الوقاية وحماية المال العام.







