حرية
في واحدة من أكثر الرسائل السياسية والأمنية وضوحاً منذ سنوات، أعلن المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، أن ملف حصر السلاح بيد الدولة لم يعد موضوعاً للنقاش أو التفاوض، بل أصبح “قضية وجودية” تمس سيادة العراق واستقراره ومستقبله السياسي.
التصريحات تعكس تحوّلاً في الخطاب الرسمي من إدارة التوازنات الأمنية إلى تبني سياسة أكثر حزماً تجاه أي تشكيلات أو تحركات مسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية، في وقت تشهد فيه البلاد متغيرات إقليمية وأمنية متسارعة.
من رد الفعل إلى الردع
الرسالة الأبرز في حديث النعمان تمثلت بالتأكيد أن الدولة غادرت مرحلة “رد الفعل” وانتقلت إلى مرحلة “الردع الاستراتيجي”، وهو توصيف يحمل دلالات تتجاوز الجانب العسكري إلى البعد السياسي، إذ يعني أن الحكومة تسعى إلى فرض معادلة جديدة عنوانها أن أي تهديد للأمن أو تحدٍ لسلطة الدولة سيواجه بشكل استباقي وليس بعد وقوعه.
هذا التحول يأتي بالتزامن مع سلسلة عمليات استخبارية وأمنية أعلنت عنها الأجهزة المختصة خلال الأشهر الأخيرة، استهدفت شبكات إرهابية وعصابات جريمة منظمة وتجارة مخدرات، في محاولة لإظهار قدرة الدولة على الإمساك بالمشهد الأمني.
السلاح خارج الدولة.. الخط الأحمر
النعمان استخدم لغة غير مسبوقة في توصيف ملف السلاح، عندما أكد أن أي نشاط مسلح خارج وصاية القيادة العسكرية المشتركة يمثل تحدياً مباشراً للدولة.
وتعكس هذه التصريحات توجهاً حكومياً لتأكيد مبدأ احتكار القوة الشرعية بيد المؤسسات الرسمية، وهو ملف ظل من أكثر القضايا تعقيداً في العراق منذ عام 2003 بسبب تعدد الجهات المسلحة وتداخل الأدوار الأمنية والسياسية.
ويرى مراقبون أن أهمية هذا الموقف لا تكمن في التصريح بحد ذاته، بل في إمكانية ترجمته إلى خطوات تنفيذية على الأرض، وهو ما سيحدد مدى قدرة الحكومة على فرض رؤيتها الأمنية الجديدة.
تفاهمات أربيل.. الأمن بوابة الاقتصاد
في جانب آخر، ربطت الحكومة بين الأمن والاستثمار، معتبرة أن التفاهمات الأخيرة بين بغداد وأربيل بشأن حماية الشركات النفطية والمنشآت الحيوية تمثل نموذجاً لتحويل الاستقرار الأمني إلى عامل جذب اقتصادي.
فالرسالة هنا موجهة ليس فقط إلى الداخل العراقي، بل أيضاً إلى الشركات الأجنبية والمستثمرين الذين يتابعون قدرة العراق على حماية المشاريع الاستراتيجية وضمان بيئة مستقرة للأعمال.
حرب متعددة الجبهات
الخطاب الحكومي لم يقتصر على مواجهة الجماعات المسلحة، بل امتد ليشمل:
- حماية الحدود الدولية عبر التكنولوجيا الحديثة.
- مكافحة شبكات المخدرات العابرة للحدود.
- تعزيز الأمن السيبراني للبنى التحتية.
- حماية المنشآت الاقتصادية والنفطية.
- مواجهة أي تهديد للأمن الاجتماعي والاقتصادي.
وهذا يعكس رؤية أمنية شاملة تتعامل مع التهديدات التقليدية وغير التقليدية في آن واحد.
رسائل إلى الداخل والخارج
يمكن قراءة تصريحات النعمان باعتبارها تحمل ثلاث رسائل رئيسية:
أولاً: إلى القوى الداخلية، بأن مرحلة التسويات الأمنية والمرونة السياسية مع الجهات الخارجة عن القانون تقترب من نهايتها.
ثانياً: إلى المستثمرين والشركات الأجنبية، بأن الدولة عازمة على توفير بيئة أكثر استقراراً لحماية المصالح الاقتصادية.
ثالثاً: إلى الأطراف الإقليمية والدولية، بأن العراق يسعى لتأكيد استقلالية قراره الأمني وقدرته على حماية مصالحه الوطنية.
هل يدخل العراق مرحلة أمنية جديدة؟
يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه التصريحات إلى إجراءات عملية تغيّر الواقع الأمني والسياسي، أم أنها ستبقى ضمن إطار الرسائل السياسية؟
المؤكد أن الحكومة برئاسة علي الزيدي تضع ملف حصر السلاح وتعزيز سلطة الدولة في صدارة أولوياتها، لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على قدرتها على الموازنة بين الحسم الأمني والحفاظ على الاستقرار السياسي، في بلد ما تزال التوازنات فيه شديدة الحساسية.







