حرية
تتسع الضغوط المالية على العراق من عجز الموازنة إلى ملف الرواتب التقاعدية، بعدما كشف عضو اللجنة المالية النيابية حسين الدراجي عن عجز يبلغ 360 مليار دينار في الرواتب التقاعدية، قال إنه يتزايد شهرياً، في مؤشر يسلط الضوء على صعوبة تمويل الالتزامات الثابتة في ظل اتساع الفجوة بين إيرادات الدولة ونفقاتها.
وجاء الكشف عقب استضافة اللجنة المالية في مجلس النواب، الثلاثاء، مدير عام هيئة التقاعد الوطنية لمناقشة الوضع المالي للهيئة.
وقال الدراجي في تصريح صحفي تابعته (حرية) إن العجز يتصاعد مع مرور الأشهر، فيما يبلغ عدد المتقاعدين في العراق نحو 3 ملايين شخص، بينهم مليون و810 آلاف متقاعد مدني ومليون و221 ألف متقاعد عسكري.
وأضاف أن عدد الموظفين المحالين إلى التقاعد يتراوح بين 7500 و8500 موظف شهرياً، مشيراً إلى أن وزارة المالية تؤيد استمرار إحالة الموظفين إلى التقاعد عند بلوغهم سن الستين، من دون تغيير هذا الإجراء.
وتكشف هذه الأرقام عن تحدٍّ يتجاوز قيمة العجز المعلنة؛ فالدولة مطالبة بتأمين مستحقات شريحة واسعة من المواطنين بصورة منتظمة، في وقت يستمر فيه تدفق موظفين جدد إلى قوائم المتقاعدين، ما يفرض ضغطاً متزايداً على نظام التمويل التقاعدي، خصوصاً إذا لم تتوافر إيرادات كافية ومستقرة لتغطية الالتزامات.
عجز التقاعد جزء من فجوة مالية أوسعولا يمكن فصل ملف الرواتب التقاعدية عن الصورة العامة للموازنة الاتحادية.
فبحسب بيانات وزارة المالية العراقية الخاصة بتنفيذ الموازنة حتى نهاية آب 2026، بلغت الإيرادات العامة نحو 45.355 تريليون دينار، مقابل مصروفات وصلت إلى 75.787 تريليون دينار، لتسجل فجوة بين الإيرادات والإنفاق بنحو 30.432 تريليون دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام.
وتبرز المشكلة في هيكل الإيرادات أيضاً؛ إذ بلغت الإيرادات النفطية نحو 34.726 تريليون دينار، بما يقارب 77 بالمئة من إجمالي الإيرادات، مقابل 10.629 تريليونات دينار من الإيرادات غير النفطية.
ويعني ذلك أن تمويل الالتزامات العامة، ومنها الرواتب والمعاشات التقاعدية، ما زال مرتبطاً بدرجة كبيرة بتدفق الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل المالية العامة عرضة للتأثر بتراجع الصادرات أو الأسعار أو أي اضطراب إقليمي ينعكس على سوق الطاقة.
وفي جانب الإنفاق، استحوذت تعويضات الموظفين على نحو 40.994 تريليون دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، فيما بلغت نفقات الرعاية الاجتماعية نحو 18.443 تريليون دينار.
وتوضح هذه الأرقام حجم الالتزامات الجارية التي يتعين على الحكومة تغطيتها قبل توفير مساحة مالية أوسع للمشاريع الاستثمارية والخدمات والتنمية.
وتكمن حساسية ملف التقاعد في أن المعاشات ليست إنفاقاً يمكن التعامل معه باعتباره بنداً ثانوياً؛ فهي دخل أساسي لملايين المواطنين الذين أنهوا سنوات خدمتهم، وتعتمد عليه أسر في تغطية احتياجاتها اليومية.
لذلك، فإن أي نقص في التمويل أو تأخير في الصرف يمكن أن ينعكس مباشرة على الاستقرار المعيشي، ولا سيما لدى المتقاعدين الذين لا يمتلكون مصادر دخل بديلة.
لكن إعلان وجود عجز في هيئة التقاعد لا يعني، بمفرده، أن صرف المعاشات سيتوقف أو يتأخر حتماً.
فذلك يتوقف على طبيعة العجز، ومصادر تمويل الهيئة، والتحويلات التي تتلقاها، والالتزامات المستحقة عليها، والإجراءات التي يمكن أن تتخذها الحكومة لمعالجة الفجوة.
كما أن الرقم المعلن، البالغ 360 مليار دينار، يحتاج إلى توضيح رسمي بشأن ما إذا كان يمثل العجز القائم في التمويل أم فجوة شهرية تتزايد بمرور الوقت، وما حجم الزيادة المسجلة فعلياً.
ويكتسب هذا التفصيل أهمية لأن معالجة نقص مؤقت في السيولة تختلف عن معالجة اختلال مستمر بين الإيرادات والالتزامات.
فالأول قد يُعالج عبر تحويلات مالية أو إعادة تنظيم التدفقات النقدية، أما الثاني فيتطلب مراجعة مصادر التمويل والاستدامة المالية للنظام التقاعدي على المدى المتوسط والطويل.
التقاعد عند الستين يفتح باباً آخر للنقاشوفي الوقت الذي تؤيد فيه وزارة المالية، وفق الدراجي، الإبقاء على إحالة الموظفين إلى التقاعد عند بلوغهم الستين، يبرز سؤال بشأن التوازن بين تجديد الملاكات الحكومية وضمان استدامة تمويل المعاشات.
فإحالة الموظفين إلى التقاعد بصورة شهرية تعني استمرار إضافة مستفيدين جدد إلى النظام، بينما تتطلب الاستدامة المالية أن تتناسب مصادر التمويل مع الالتزامات المتراكمة والمتزايدة.
ولا يعني ذلك أن تغيير سن التقاعد وحده كفيل بحل المشكلة، إذ لم تُعرض في التصريحات المتاحة دراسة تحدد أثر هذا الإجراء في حجم العجز. كما أن أي تعديل في سن التقاعد أو شروط الاستحقاق ستكون له انعكاسات وظيفية واجتماعية وقانونية، ما يستدعي الاعتماد على بيانات تفصيلية قبل طرحه بوصفه حلاً.
والأهم أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على عدد المحالين إلى التقاعد، بل يجب أن يشمل كيفية تمويل الاستحقاقات، ومدى انتظام مساهمات الجهات المعنية، وكفاءة إدارة الأموال التقاعدية، وحجم الالتزامات المستقبلية مقارنة بالإيرادات المتوقعة.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الضغوط على إعداد الموازنة الاتحادية لعام 2027.
وكان المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح قد أوضح في حزيران الماضي أن الإنفاق الحكومي يستمر وفق قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم 6 لسنة 2019 المعدل، الذي يتيح آلية للصرف عند تأخر إقرار الموازنة، بما يشمل تمويل الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية وإعانات الحماية الاجتماعية، مع مراعاة الضوابط المتعلقة بالسيولة والإنفاق الاستثماري.
وتضع هذه المعطيات الحكومة أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على انتظام دفع المستحقات الاجتماعية، وفي مقدمتها رواتب المتقاعدين، بالتزامن مع اتساع العجز وارتفاع الإنفاق الجاري.
وكلما ضاقت الإيرادات المتاحة مقارنة بالنفقات، ازدادت أهمية ترتيب الأولويات المالية وضبط الإنفاق وتنمية الموارد غير النفطية، بدلاً من الاعتماد المستمر على الإيرادات النفطية وحدها.
كما أن اتساع الفجوة المالية يرفع أهمية الرقابة البرلمانية على أسباب العجز التقاعدي، ومصادر تمويله، والتدابير المتخذة لمنع تفاقمه. فالمطلوب ليس الاكتفاء بإعلان رقم العجز، بل تقديم بيانات تتيح معرفة مساره، والعوامل التي تدفعه إلى الارتفاع، والمدة التي يمكن أن تستمر فيها مصادر التمويل الحالية بتغطية الالتزامات.
وفي المحصلة، لا يمثل عجز الـ360 مليار دينار مجرد رقم في حسابات هيئة التقاعد الوطنية، بل إنذاراً يستدعي توضيحاً مالياً دقيقاً وخطة قابلة للقياس، خصوصاً مع وجود نحو 3 ملايين متقاعد واستمرار إضافة آلاف المستفيدين شهرياً.
وستتوقف قدرة الدولة على احتواء هذا الضغط على مدى نجاحها في تأمين التمويل المنتظم، وإدارة الالتزامات بكفاءة، وتوسيع الإيرادات غير النفطية، بما يحمي استحقاقات المتقاعدين من أن تصبح رهينة تقلبات السيولة واتساع عجز الموازنة.







