حرية
حلّ العراق في المرتبة السادسة والسبعين عالمياً ضمن قائمة أفقر دول العالم لعام 2026، وفق بيانات نشرتها مجلة “غلوبال فاينانس”، استناداً إلى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وفق معيار تعادل القوة الشرائية، والذي بلغ نحو 15,359.6 دولاراً دولياً.
وأظهرت البيانات أن العراق حافظ على المرتبة ذاتها التي سجلها في عام 2025، من دون تغير في موقعه ضمن الترتيب، ما يشير إلى استمرار التحديات الاقتصادية والمعيشية التي تؤثر في مستوى دخل الفرد والقوة الشرائية.
وجاءت جنوب أفريقيا في المرتبة السابعة والسبعين، بناتج محلي إجمالي للفرد بلغ نحو 16,326.29 دولاراً دولياً، تلتها فيجي في المرتبة الثامنة والسبعين بنحو 16,430.66 دولاراً دولياً للفرد.
ماذا يعني تعادل القوة الشرائية؟
ويعتمد هذا التصنيف على مؤشر الناتج المحلي الإجمالي للفرد وفق تعادل القوة الشرائية، وهو مقياس اقتصادي يستخدم لمقارنة مستويات الدخل والقدرة الاقتصادية بين الدول بعد الأخذ في الاعتبار الفروقات في مستويات الأسعار وتكاليف المعيشة وأسعار الصرف.
وبمعنى آخر، لا يعكس الرقم حجم الأموال التي يتقاضاها الفرد بصورة مباشرة، بل يقدم تقديراً للقوة الشرائية ومستوى السلع والخدمات التي يمكن للدخل نظرياً توفيرها داخل الاقتصاد المحلي مقارنة باقتصادات الدول الأخرى.
لكن التصنيف لا يعني بالضرورة أن جميع العراقيين يعيشون بالمستوى نفسه، إذ إن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي لا يكشف وحده حجم التفاوت بين الدخول، ولا يوضح توزيع الثروة أو نسب الفقر والبطالة وجودة الخدمات العامة.
اقتصاد نفطي وثروة لا تصل بالتساوي
ويفتح بقاء العراق في المرتبة نفسها للعام الثاني على التوالي تساؤلات بشأن مدى انعكاس الثروة النفطية، التي تمثل المورد الأساسي للاقتصاد الوطني، على الواقع المعيشي للمواطنين.
فعلى الرغم من امتلاك العراق موارد نفطية كبيرة، فإن ارتفاع متوسط الناتج المحلي للفرد لا يتحول تلقائياً إلى تحسن مماثل في حياة المواطنين، ما لم ترافقه سياسات اقتصادية قادرة على خلق فرص العمل، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين الخدمات العامة، وتقليص الفجوة بين الدخول.
كما أن اعتماد الاقتصاد على النفط يجعل مستوى الدخل الوطني أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والإنتاج والتصدير، وهو ما ينعكس على قدرة الدولة في تمويل الموازنة والمشاريع والخدمات.
الأفقر عالمياً
ووفق بيانات “غلوبال فاينانس”، تصدرت بوروندي قائمة أفقر دول العالم لعام 2026، تلتها جمهورية أفريقيا الوسطى، ثم جنوب السودان واليمن وموزمبيق ومالاوي والصومال وليبيريا ومدغشقر وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
وتكشف هذه القائمة أن الاقتصادات الواقعة في أدنى الترتيب تواجه في الغالب تحديات مركبة، تشمل النزاعات وعدم الاستقرار وضعف البنية التحتية ومحدودية الإنتاج والاستثمار.
هل تعكس المرتبة واقع العراق بالكامل؟
ولا يمكن اختزال الواقع الاقتصادي العراقي في ترتيب واحد، لأن قياس نصيب الفرد من الناتج المحلي وفق تعادل القوة الشرائية يمثل مؤشراً من بين مجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.
فمستوى المعيشة الحقيقي يرتبط أيضاً بمعدلات الفقر والبطالة والتضخم، وفرص العمل، وجودة التعليم والصحة، وتوفر الخدمات، فضلاً عن توزيع الثروة بين المحافظات والطبقات الاجتماعية.
ومع ذلك، فإن بقاء العراق في المرتبة السادسة والسبعين للعام الثاني على التوالي يحمل رسالة اقتصادية واضحة: الثروة وحدها لا تصنع بالضرورة مستوى معيشة مرتفعاً، ما لم تتحول الإيرادات إلى تنمية وفرص عمل وخدمات وإنتاج مستدام.
ويظل التحدي الأكبر أمام العراق في السنوات المقبلة هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على بيع الموارد إلى اقتصاد قادر على توظيف موارده في تنويع الإنتاج، وتحسين دخل الفرد، وتقليل الفقر، بما ينعكس بصورة ملموسة على حياة المواطنين، وليس على الأرقام والتصنيفات الدولية فقط.







